مسارات استرداد الدولة وسيلة تصدي للخداع الأيديولوجي!

جمال الطاهات

لما كانت مهمة الخطاب الإيديولوجي توضيح مبررات التغيير ومآلاته، وشحذ الهمم والإرادة للمضي قدماً نحو الهدف، فتجاهل البحث في المسارات وتحديدها يوقع الشعب كله ضحية خدعة تافهة وصفها ابن المقفع في -قصة العلجوم والسلطعون والأسماك، في باب الغراب والثعبان الأسود- لتوضيح خطأ الشعب الذي يسير نحو اهداف جميلة عبر مسارات لا يراها ومراكب لا يتحكم بها.

لقد لجأ العلجوم المسن حين عجز عن صيد الأسماك لخداعها، بأنه سينقلهم نحو بحيرة جميلة وآمنة خلف التلال، تفادياً لشر صيادين قادمين نحو بحيرتهم ليصطادوهم. فأسلمت الأسماك نفسها للعلجوم وأصبح ينقل كل يوم منها سمكتين، فما أن يصبح خلف التلال حتى ينزل بالسمك على الأرض فيأكله، وبذلك حصّل غذائه بالخديعة دون عناء صيد أصبح عاجزاً عنه.

المتتبع لتاريخ خطاب الملك وعائلته منذ سرقتهم الدولة من الشعب الأردني، سوف يذهل من قدرتهم على تقمص بنية الخطاب الأيديولوجي واستهلاك مفرداته لخداع الناس. فحين التقى الملك ببعض الحراكيين قبل سنوات حاول خداعهم باستعمال مفردات أيديولوجية ليضفي على نفسه بعض القيمة، حيث قال: ” أنه يساري اجتماعياً، ويميني امنياً”، وهو الوصف الذي يتناقض مع تفريطه الأمني، ومع تورطه مع عائلته وحواشيهم بنهب موارد الشعب.

خطاب المستبد متركز على الأهداف الجميلة، ولكنه يهمل -لغايات التضليل- الحديث عن وسائل وطرق وكيفيات تحقيقها. وهذا ليس خطأ ولا خلل وتقصير، بل هي بنية متعمدة في خطاب المستبد الفاسد الذي يريد أن يستمر بخداع الشعب كما فعل العلجوم مع الأسماك (يدفعهم للتفكير بالأهداف ويحتكر هو السيطرة على المسارات).

إن كشف الخديعة في خطاب الملك وعائلته يبرز طبيعة النظام وضعفه البنيوي، ويقدم للقوى الديمقراطية فرصة استثنائية لمواجهة خطابهم الإنشائي الذي اتخذ بنية أيديولوجية، بخطاب سياسي وطني يتضمن ركنين واضحين: الأول شرح الأهداف العامة المتمثلة بــ (التقدم والرفاه والتحرر) بسياسات قطاعية تساعد على رفع الركن الثاني للخطاب الوطني الديمقراطي وهو (المسارات الواضحة لتحقيق الأهداف التي لا خلاف عليها). فهذه المسارات هي سياسات قطاعية تعيد سلطة الشعب على أداء مؤسسات الدولة، وليس ترك (العلجوم ) منفرداً يراقب أداء مؤسسات الدولة نيابة عن الشعب، كما تحدث الملك في مقابلته الأخيرة مع جريدة الرأي، حيث أصر على التدخل بالعمل التنفيذي خلافاً لأحكام الدستور، وقدم تطميناً كاذباً للتغطية على مخالفته الدستورية بقوله: “خطة الحكومة التنفيذية لإنجاز الرؤية يجب أن تكون متاحة للجميع”، فإذا كان الجميع لا يعرف أين تذهب أموال الضرائب، وكيف يتم احتساب أسعار المحروقات، فكيف يمكن تنفيذ “الــ “يجب” الملكية؟

إن ترجمة الأهداف الكبرى إلى سياسات قطاعية تحدد المسارات التي تمكن الشعب من استرداد مؤسسات دولته وبسط الرقابة الشعبية عليها، ليس فقط لتفكيك خطاب الملك، بل أيضاً لوضعه امام خيارين: إما أن يتمسك بالرفض والتفنيد، وعندها سيكون هو من كشف وجهه الحقيقي، وأثبت أنه يعترض طريق الشعب في استرداد دولته سلطة وموارد، أو أن يتجاهل الحوار الشعبي حول المسارات، وهذه فرصة استثنائية للتعبئة الوطنية ورسم خط المواجهة دون إعاقة، وجعل القمع المباشر -في حال مارسه الملك وعائلته- علامة لاقتراب لحظات الفصل الحاسمة.

ومن زاوية نظرية يمكن القول إن الأيديولوجيا تحولت إلى نمط خطاب، وليس مرجع لهويات اجتماعية منقسمة على خطوط اشتباك واضحة. حيث تمكنت تقنيات القول والكتابة وانتشار وسائل التواصل من تحويل الأيديولوجيا إلى وظيفة في التنافس الجيوسياسي، وانتهى العهد الذي كانت فيه الأيديولوجيا ترسم خطوط الاشتباك وتوظف حقائق الجغرافيا السياسية، فالوسائل الجديدة للتعبئة والحشد، أدت لانحسار الأيديولوجيا رغم تراثها العظيم، وانتهت إلى مجرد خدعة “علجوم” يستهلك طاقة الوعي باجترار الاحلام والاهداف، لاستدراج المخدوعين للسير على مسارات لا يرون تفاصيلها.

وهذا يرتب على قوى التحرر من الاستبداد والفساد تطوير (خطاب جديد) يستطيع ان يعبئ الشعب ويحشد قواه على خطوط اشتباك جديدة تمكنه من المسير نحو الأهداف التي لا خلاف عليها “التقدم والرفاه والحرية” بمسارات توضحها سياسات قطاعية لاسترداد دولته سلطة وموارد. إذ لا يكفي إعلان الشيوعيين و”الإخوان المسلمين” والسلفيين والمتصوفة والقوميين أنهم مع التقدم والرفاه والحرية، بل لا بد من رسم طريق يجمع كل هذا الطيف الوطني في مسارات مرسومة ببرامج وآليات عمل واضحة، يستطيع الجميع معاينتها.

إن نجاح القوى الديمقراطية في هده الخطوة، يحمي الشعب من أن يكون ضحية علجوم جديد يستمر في خداعه واخذه في مسارات مجهولة لأهداف مرسومة بألوان الاحلام، وستعزل الملك وتضعه في حالة اشتباك مباشر مع كل قوى الشعب الأردني، وأيضاً مع قوى التقدم والتحرر في كل العالم. إذ لا يكفي كشف الملك محلياً، فهذا تحقق منذ زمن.  

اخيراً، لا بد من التوضيح بأن الخطاب الأيديولوجي الذي يركز على توضيح المآلات، ويهمل المسارات، ينتمي لماضٍ سواد شعبه أمي وقلته المتعلمة تعاني من عزلة وحصار، فكان المشروع السياسي يتكئ على التعبئة الأيديولوجية لتحديد الأهداف والطلب من الناس ان يتبعوا صاحب الدعوة ليوصلهم إليها. أما اليوم، مع ثورة الاتصالات والتعليم المعاصرة، أصبحت الأيديولوجيا وسيلة المستبد الفاسد لخداع المجتمعات وتضليلها، ليسير الناس خلفه معصوبي الأعين ومغمضيها، وهو ما حذر منه ابن المقفع قبل قرون.

‎2022-‎07-‎27