العشق المستور

محمود فنون

سمراء .. تشي سمرتها بالمرأة الفلاحة التي لوحت شمس الخريف بشرتها كما لو كانت تشارك زوجها متاعب العمل الفلاحي في أرض ” عظم ” جرى استصلاحها بكدح لا يتوقف ، وتطلّب إزالة الحجارة من باطنها قلعا بالفأس، ونقلها خلف العمل لاستعمالها في بناء “السناسل” الاستنادية التي تحفظ التربة ،وتجميع التراب حيثما هو ضروري لغرس الأشجار . هو يكدح وهي تكدح معه يدا بيد .

تخيلها كذلك عندما شاهدها لأول مرة ..

تخيلها تدعورجلها للغداء بجانبها وقد مهدت له مكان يناسب الجلوس ، وما أن جلس قبالتها حتى “شقمت” لقمة من رغيف كانت قد خبزته في الطابون قبل أن يتنفس الصبح بقليل ، وحشدت ما استطاعت من موجودات البيت من الزيتون والمقدوس وخمس حبات من البنادورة وبيضتان مسلوقتان.

غمّست قطعة الخبز بالزيت مع مقدوسة صغيرة ومدتها لتضعها في فمه ..

كلي انت … فأنت تشقين معي يدا بيد .. وتحملين هموم البيت والولد.
المهم انت .. فأنت ظهري وسندي و .. و..
و.. و.. ماذا قولي ..قولي . كلامك يطيّب خاطري كما أشرب الماء البارد وأنا عطشان ويزيح عني التعب ..
خلاص .. لا شيء .. وأنت تعرف .. قالت بدلال وقد تورد وجهها الجميل ورجف ذقنها الدقيق رجفتين .. وأبعدت عيناها عن مرمى ناظريه احتماء..
ولكنني أحبك ولا استحي قول ذلك …قال باصرار وطيبة تتسع لها ولقلبها العاشق ..
كل ما كنت تقوله لأختك كانت تقوله لي وكنت أصرخ فيها كي تخرس من شدة الاحراج والخجل .. وكان أخي يظل يذكرها أمامي وكنت أرد عليها بما يليق .. كان أخي يتقاعس عن العمل احتجاجا على مماطلة أبي في خطبتها .. وفي أحد الأيام وبينما كان يجب أن ” يسرح ” مع الفجر من أجل العمل في حقل البندورة على الندى الطري .. ظل نائما حتى طلوع الشمس وأمي تصرخ عليه وهو يضع في إحدى أذنيه طينا وفي الأخرى عجينا . ثم قالت له : ما خطبك يا ولد ؟
قال أريد أن أنهض قبل الفجر ولكن أريد أن يوقظني شخص آخر وربما انهض دون صراخ من أحد .
فقلت لأمي يريد ابنة جارنا .. ما خطبك يا أمي ألم تفهمي بعد ؟

فلعنني ولكن …
يعني تتكاشفن أسرار الشباب !؟قال لها

وأنتم تتكاشفون أسرار البنات وتذهبون إلى عين البلد لمشاهدة الفتيات الورّادات .. وبعضكم يتجاسر ويطلب شربة الماء إن كانت حمامته بين البنات .. أنتم ، أنتم لا تخجلون …
هو العشق يا حبيبتي والشباب يجدون الطرائق اللازمة للتعبير عنه لفتياتهم ..
العشق الفلاحي الذي تعبرون عنه بنظرة ولهاء وترد الفتاة بإزاحة وجهها بدلال يشي بما في قلبها من سعادة وما في روحها من راحة ورضا.. وانتم تغنون : يا واردة عل الميّة… وعلى عين البلد لأزرعلك تينا..

ولكن هذه السمراء الملوحة قليلا بالشمس لا ترتدي ثوب الفلاحة ، ربما هي مدينية . من أين لي أن أعرفها ؟

نظر إليه بإمعان . إنها طيبة ، قال في نفسه وجميلة كذلك .

هي سمراء قليلا يعني حنطية وجسدها مصبوب في أجمل قالب وشعرها الطويل الأسود اللامع واذا اقتربت منه تراه موشى بقليل من الحمرة كحبة الكستناء يتمايل هنا وهناك معلنا عن انوثة جارفة تأسر الروح وتجمد حركات الجسد.

تأسر الروح ؟؟ بل تذيبها وتخمد كل الحواس إلا حاسة البصر المشدوه ، وشعور جميل باللذة . يكون الشخص ولا يكون ، لا يسمع وشيء من البلاهة تغمر وجهه المجمد .
من هي ؟ عبلة ام ليلى العامرية ؟ ومن أنا ؟ ولكنني بدون الحصان ، ومن أين لي بحصان ؟

نهره صاحبه وعاد وهزه هزتين لطيفتين ثم شده ثانية بعد أن كان قد صور كل المشهد ..

كانت هي الأخرى قد جمدت في مكانها ، ربما رهبة من بحلقته الجريئة ، أو استملاحا ، أو خوفا من أمها التي شدتها بقليل من العنف .

كانت الام قد لاحظت شيئا من شرودها وخافت على ابنتها ، ربما خافت أن يعتدي عليها أو يجرح قلبها الرقيق كياسمينة تفتحت في صباح يوم نديّ .

استفاق هو وعرف ما حصل والاهم أنه عرف أنها بصحبة أمها وأهلها ..
صباح الخير يا خالة .
من أنت ؟ قالت بدهشة . ولكنه لحظ أن سمراؤه لم تتزحزح وقد انفرجت قليلا بعد أن اكفهرت عندما نهرتها امها .

أنا أرغب في التعرف عليكم. وشعر بارتياح لم يشعر بمثله قط .

كانت نظراته تتوزع على الام والابنة وكأنه رسم مخططه بموافقتها وربما رغبتها .
خير يا أخي ؟..

وقبل أن تتم كلامها قال : أريد أن أدخل بيتكم من بابه … وإن سمحت لي سأحضر مع أمي الليلة .

مثل كل أم .. انشرح خاطرها بعد أن فهمت أنه يتقدم لطلب يد ابنتها .

هي لم تحدد موقفا ولكنها اندرجت في الموضوع ارتباطا بالقيم المرعية وشعورها بجدية الشاب .

وبعد أخذ ورد وزيارات مرحب بها من قبل الام رفض الأب وقد وحاصر ابنته بعد أن أدرك انها واقعة في الغرام وأنهما يتقابلان كعادة الشباب خلسة في بعض الأحيان وبتواطؤ من الأم في أحيان أخرى والتي فهمت ما جرى لابنتها وتعاطفت معها ولم تستطع تجليس موقف زوجها الذي له رأي آخر ودارت السنون بانقطاع تام وكأن كل أسلاك التواصل قد أصابها العطب ولم يعد يعلم عن مصيرها شيء وكأن كل شيء قد مات .

نزل من الباص في محطة الوقوف … كان يجول في خاطره أشياء كثيرة قبل أن يصل المحطة .. كان مشغول البال ، حتى أنه لم يفطن سوى في المحطة التالية ونزل مستعجلا ..

وما ان خطى خطوتين على الارض حتى وقف متجمدا كخيط ماء انصب من شيء في درجة حرارة تقل عن الصفر بكثير وكان قد مد رجله اليسرى استكمالا للسير ولكنه ظل على حاله . وهي قبالته وقفت وقد جمدت هي الأخرى سوى من بحلقة مشدوهة مسلطة عليه .

هي هي ودارت الطاحونة .. طاحونة الزمن .. هي هي وهل يخيب ظنه … هل يمكن أن يخطيء في تشخيصها .. عشرون عاما مضت .

تذكر لغزا كان قد قرأه في إحدى كتب الثقافة عن علم النفس :

يقول اللغز : صديقان افترقا قبل عشرين عاما وانقطعت أخبارهما تماما ، فالتقيا .

سأل أحدهما الآخر بلهفة : أين أنت وما هي أخبارك وماذا حصل معك .

قال الثاني : بخير وتزوجت وانجبت بنتا وسميتها على اسم امها .

الأول : وكيف حال ليلى الصغيرة ؟

واللغز هو كيف عرف الأول اسم ابنة الثاني دون أي معلومات مسبقة عن الزواج وعن غيره

عشرون عاما مسحت من الوجود . بل هي لم تكن أبدا .

تذكر كل شيء من يوم لقائهما الأول وحتى افترقا لا يعلم أحدهما عن الآخر وكأن ذلك حصل في الأمس القريب .
أحبك . قال لها على الفور .
وأنا .. يعني قصدي .. أقصد .. يعني ..انت تعرف .

قالتها بدلال أخاذ يريح القلب بل يعيد له صباه ،ويدق يدق يدق كما أول مرة. يدق كجرسية يدقها متعجل في صباح يوم أحد معلنة عن فرح آت.

ودقنها المدبب قليلا من أسفل قد رجف رجفتين قبل أن تدير وجهها احتماء من نظراته العاشقة الخارقة التي تسللت إلى أعماقها ، فشعرت أنها تطير .. تطير .. تحلق على صهوة جواد يسبح فوق الغيوم وتمد ذراعيها على جانبيها مبتسمىة ضاحكة مقهقهة . وهو ورائها يريد أن يمسك بها . وهي لا تتعجل كي لا تفقده ولا تتباطأ كي يمسك بها منهيا تحليقهما الحبيب .

سكب في روحها كل كلام الغرام الملفوف بأزهار ياسمين قطفت لتوها .

هما لم يفترقا كل هذا الزمن .. هما ناما يوما أو بعض يوم ، وانفلق الصبح عن تلاقيهما بهيام لا شية فيه .

هل نسيتني ؟ قالت بخجل وبلوعة وبسؤال ينم عن استنكار قاطع كحد السيف البتار .

وكررت : هل مات ؟ هل تذكر يوم التقينا ؟ وهل ..؟

هو كان هناك مخبأ في ثنايا الزمن.. واليوم هاجت الذكرى وصفق الحنين ..

اسمعي صوت الرعد يلعن العوازل ويطغى على صوت طاحونة الزمن والدنيا تمطر بعد هديره الذي يشق السماء فترتوي الارض وتزهر بالياسمين والفراشات . وتستمر الحياة
20/7/2022م