ما خفي في استقالة بوريس جونسون!

بقلم بكر السباتين.. 

بعد صراعه العقيم مع حزب المحافظين الذي يتراسه، أعلن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الخميس الماضي، استقالته من زعامة الحزب، وذلك بعد أن تخلى عنه أكثر من خمسين وزيراً ومسؤولاً بالحكومة في حملة استقالات جماعية وجهت لضرب مكانته في الحزب والحكومة ومحاصرته، من باب الضغط عليه؛ لدفعه إلى ذلك.

ودعا جونسون في مؤتمر صحفي أمام مقر رئاسة الحكومة، إلى اختيار زعيم جديد للحزب، وأنه قام بتعيين حكومة تصريف أعمال فيما سيواصل عمله لحين انتخاب زعيم جديد.

وسبق هذا القرار المصيري مواجهات بين جونسون وخصومه في الحزب كانت ستنتهي إلى انتخابات مبكرة وبالتالي سقوطه المدوي، وكانت ستشكل حينها ضربة قاصمة لحزب المحافظين الذي يتراسه.

وإمعاناً في الضغط على جونسون كي يتنحى طواعية؛ ذهب بعض النواب المحافظين والوزراء إلى أكثر من ذلك، فرضخ أخيراً للضغوطات التي تراوحت ما بين الاستقالة الجماعية أو تقديم النصائح لجونسون بضرورة تقديم الاستقالة ليخرج من المأزق الذي وضع فيه بأقل الأضرار،

كل هذه الضغوطات أدت إلى انسحاب جونسون بأقل الخسائر المعنوية وتسجيل موقف شخصي لصالح الحزب الذي يمثله.

ويمكن إجمال أسباب دعوة المحافظين له بالتنحي، فيما يلي:

أولاً: فشل جونسون في التصدي لجائحة كورونا، وفق تقرير برلماني صدر الثلاثاء 23 مارس 2021 في أن حكومة المحافظ بوريس جونسون سعت “فقط إلى إبطاء سرعة تفشي الوباء” بين المواطنين بدل وقف انتشاره تماماً، على أمل تطوير مناعة جماعية.

ثانياً: التباطؤ في تنفيذ العقوبات الاقتصادية ضد روسيا ما أضر بمكانة جونسون داخل حزب المحافظين.

من جهته انتقد حزب العمال البريطاني المعارض رئيس الحكومة لأنه لم يتخذ القرارات الخاصة بالعقوبات على روسيا بسرعة أكبر.

وخلافاً لذلك احتج نواب مقاطعتي ويلز واسكتلندا على تقديم جونسون المزيد من الدعم المالي لأوكرانيا في ظل الأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد،، وهي أموال تؤخذ من دافعي الضرائب.

ويرفع التمويل الجديد المساعدات العسكرية المقدمة إلى كييف إلى 2.3 مليار جنيه إسترليني، كما أنفقت المملكة المتحدة 1.5 مليار جنيه إسترليني في الدعم الإنساني والاقتصادي لأوكرانيا.

وبررت حكومة جونسون ذلك في ان تقديم مبلغ مليار جنيه إسترليني جديد لأوكرانيا سيأتي من الأموال التي لم تنفقها الإدارات الإقليمية، بالإضافة إلى 95 مليون جنيه إسترليني من ميزانيات الحكومتين الويلزية والاسكتلندية.. وهذا سيكون على حساب التنمية المستدامة.

ثالثاً: استفراد جونسون باتخاذ القرارات الصعبة، غير مكترث بارتداداتها على حزب المحافظين والبلاد، ويتهم في انه كان قادراً على صنع الفرص الثمينة؛ لكنه كان يخسرها نتيجة إهماله للتفاصيل؛ لذلك شبه بالرئيس الأمريكي السابق ترامب.

كما جاء في مقال نشره في صحيفة “التايمز”، الكاتب جيرارد بيكر بعنوان “شعبوية جونسون وترامب ما تزال حيّة”.

بان الزعيمين يجتمعان في صفات ” النرجسية، والكذب الانتهازي المتأصل وعدم الاهتمام بالتفاصيل بالإضافة إلى الشهية المفرطة لإرضاء الذات المستمرّ والإدمان على التملق من الجمهور”.

رابعاً: اتهام حزب المحافظين الحاكم لجونسون، بارتكاب سلسلة انتهاكات ومخالفات وفضائح في الأشهر الأخيرة، كان آخرها الاتهامات التي وجهت ل”كريس بينشر،” نائب زعيم مجموعة الانضباط في الحزب الحاكم، بالتحرش بعدد من الرجال، في عدة مناسبات. ومن جراء كل ذلك وجه حزب المحافظين انتقادات بعدم الكفاءة إلى جونسون.

خامساً: فشل جونسون في تحقيق المكتسبات الموعودة من إبرام اتفاقية بريكست (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي) التي رفضها مجلس العموم البريطاني ثلاث مرات في الربع الأول من العام 2019، حتى أقرت في عهد جونسون، وأبرمت مع مجلس الاتحاد الأوروبي في 30 يناير 2020.

وخلاصة القول إن تنحية جونسون وإن جاءت على شكل استقالة؛ كانت حتمية وخاضعة لإرادة الحزب، فيما كان التفكير خلف الكواليس منصباً على إيجاد البديل الذي يكون قادراً على إنقاذ الموقف، ووضع حزب المحافظين على طريق الفرص الممكنة.

وقد توالت الإعلانات الأولية عن الترشيحات البديلة من قبل العديد من الشخصيات البارزة في حزب المحافظين، منهم النائب المحافظ توم توغنهات رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان، والمدعية العامة سويلا بريفرمان، والنائب ستيف بيكر، أحد أبرز الداعمين لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ناهيك عن وزير الدفاع بن والاس الداعم لأوكرانيا، وآخرون.

إن التغيير المنشود في المشهد السياسي البريطاني لن يكون سهلاً في ظل تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية التي تشهدها البلاد، والأسئلة عاصفة وكثيرة وتوحي بأن المجهول هو سيد الموقف في مستقبل المملكة المتحدة، وقد ربطتها الأزمة الأوكرانية بمصير أوروبا رغم وجود اتفاقية بريكست التي ابرمها جونسون مع الاتحاد الأوروبي بصعوبة ولاقت معارضة برلمانية وخاصة من قبل نواب مقاطعتي أسكتلندا وإيرلندا الشمالية، حتى جاء يوم الحساب.

10 يوليو 2022