افتتاحية قاسيون 1078: الاشتراكية… مرة أخرى!

خلال اجتماعٍ له يوم الثلاثاء الماضي، مع زعماء الأحزاب السياسية للدوما، ورداً على الدعوة لوضع «المهام الاشتراكية موضع التنفيذ»، قال بوتين: «لا أرى أي شيء سيِّئ في الفكرة الاشتراكية، القضية هي في كيفية تنفيذها، وخاصة بما يتعلق بالوضع الاقتصادي».

يشكّل هذا الكلام نقلة نوعية في الخطاب الرسمي الروسي، وإنْ كان في الحقيقة استمراراً وتراكماً ضمن سياقٍ متصل لم يبدأ قطعاً مع هذا التصريح. ويمكن أن نستعيد للذاكرة تصريحات بوتين السابقة حول أنّ «الرأسمالية، بنموذجها الليبرالي السائد، تعيش أزمة عميقة».

وإذا كان تصريح بوتين الجديد هو التصريح الرسمي الأول الذي يجري فيه الحديث بهذه الصيغة عن الاشتراكية في روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي، فإن أجواء النقاش العام قد وصلت إلى النتائج نفسها قبل ذلك بوقت غير قصير.

على سبيل المثال لا الحصر، فإنّ نائب رئيس الأكاديمية الروسية لعلوم الصواريخ والمدفعية، د. قسطنطين سيفكوف، عبّر بشكل واضح عن أنّ روسيا في إطار مواجهتها مع الغرب ستكون مجبرة على التحول باتجاه الاشتراكية، وليس لديها أي طريق آخر يمكّنها من البقاء. بل وذهب إلى أنّ قيادات روسيا نفسها لن تتمكن من البقاء هي نفسها، إنْ لم تسر بهذا الطريق… ما يعني أنّ المسألة ليست محكومة بالأشخاص الذي يديرون العملية، بقدر ما هي محكومة بالقانون الموضوعي للمعركة الجارية…

جوهر الأمر ما يزال مرتبطاً بمقولة لينين التي تعيد اليوم إثبات صحتها مرة أخرى، وهي: أنّ «الشعوب وفي إطار نضالها الوطني ضد الإمبريالية، ستندار ضد الرأسمالية في بلدانها». وهي المقولة التي عبّر عنها حزب الإرادة الشعبية في مشروع برنامجه عام 2013 بالقول: «شعوب دول «البريكس» (مثالاً) وفي إطار نضالها الوطني للدفاع عن وحدة أراضيها ومصالحها الوطنية في وجه الإمبريالية المحكومة بتوسيع رقعة الحرب والاستغلال، إنما تندار بالتدريج ضد الرأسمالية نفسها كنظام اقتصادي- اجتماعي، الأمر الذي ينسجم مع مصلحة شعوب العالم الثالث التي يندمج نضالها الوطني ضد الغرب الإمبريالي وضد الصهيونية أكثر فأكثر مع نضالها الاقتصادي- الاجتماعي».

إنهاء روسيا من الخارج، وكما بات واضحاً، أمرٌ غير ممكن أيّاً تكن الوسائل المستخدمة، ولذا فاستهدافها من الداخل، وعبر الملف الاقتصادي والثقافي يغدو وسيلة العمل الأساسية. وهذا لا مجال للتصدي له دون وضع اليد بشكل مباشر على ثروات الناهبين الكبار، ودون قدر غير قليل من مركزة الثروات والصناعات الاستراتيجية بيد الدولة، وبالتأكيد لا مجال للتصدي له دون إعادة توزيع الثروة داخلياً بشكل جذري لمصلحة السواد الأعظم من الناس… وأيّاً يكن اسم هذه الإجراءات، سواء اشتراكية أو أي اسم آخر، فإنّ جوهرها سيبقى هو نفسه.

الصراع العالمي حول نظام عالمي جديد، بديل للسائد، أعقد وأعمق من إحلال دول محل دول، وقوى محل قوى في إطار «مداولة للسلطة العالمية»؛ فالنظام العالمي القائم المأزوم، أي الرأسمالي، لم يعد يرى استمراره، (وهذا ما يقوله منظروه علناً وبينهم كلاوس شفاب)، إلّا عبر مجاعات وحروب وأوبئة بمقاييس غير مسبوقة، تؤدي إلى «تصفية» عدة مليارات من البشر حول العالم، وفي آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية بشكل خاص.

وإذا كان البعض، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي قد طرح السؤال حول: هل للاشتراكية مستقبل؟ فإنّ السؤال الذي كان وما يزال صحيحاً هو، هل للرأسمالية مستقبل؟ وإجابة النخبة العالمية هي نعم، عبر الدمار الشامل، وعبر قتل مليارات من البشر، وعبر المزيد من تدمير الطبيعة.

السؤال الذي تتم الإجابة عنه بشكل عملي هذه الأيام، ليس حول مستقبل الرأسمالية، فذلك محسوم، ولكن حول ماهية الاشتراكية القادمة، اشتراكية القرن الواحد والعشرون، وعن كيف يمكنها تلافي الأخطاء السابقة والبناء على الإيجابيات السابقة، بوصفها الطريق الوحيد لتخليص البشرية من المصير الأسود الذي تعيشه، والأكثر سواداً الذي تعدها به الرأسمالية.

2022-07-11