هل يدفع أردوغان بالعدوان أم بالتي هي أحسن؟

ريم عثمان

قرع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان طبول الحرب في شمال سوريا وبدأ التجييش وتجهيز العدة والعتاد لبدء عملية عسكرية على مناطق في ريفي حلب والرقة استكمالا لعمليات ثلاث سبقت تحت اسم “درع الفرات”  و”غصن الزيتون” و”نبع السلام” بهدف إنشاء ما يسميه “منطقة آمنة” تؤمن حدوده من خطر أكراد سوريا.

كل ما يجري على الأرض يؤشر إلى وشوك وقع الهجوم التركي ,فأنقرة نقلت قوات إضافية إلى منطقة عمليتها المقبلة في تل رفعت ومنبج ,بالتزامن أعلنت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” حالة الطوارئ العامة في مناطقها ,فيما قررت الدولة السورية أن تضع يدها بيد الأكراد لتعزيز قدراتهم وتمكينهم من التصدي للعدوان التركي ,فوافقت على إرسال أسلحة نوعية وثقيلة من مدفعية ودبابات ومدرعات إلى خطوط التماس على الامتداد الغربي من محور عين عيسى بريف الرقة وعين العرب بريف حلب ,عبر تفاهم توصلت إليه مع الأكراد برعاية روسية لردع تلك العملية العسكرية .

بالتوازي أيضا وصلت تعزيزات عسكرية روسية جديدة إلى قاعدتها في مطار القامشلي بريف الحسكة، ضمت 300 جندي مظلي بالذخيرة الكاملة عبر الطائرات الروسية وهي ضمن تعزيزات متتالية وصلت تباعا إلى المنطقة تزامنا مع التهديدات التركية.

فهل سيدفع أردوغان بالتي هي أسوأ ويزيد المشهد تعقيدا أمّ أنه ترك للسلم مطرح ؟ ثمّة فرصة أمام أردوغان ليعدّ للألف قبل التورط في هذا العدوان الذي سيحسب عليه إذا ما وقع كغلطة الشاطر بألف ,فإيران التي تقف على مسافة واحدة من دمشق وأنقرة دخلت على خط الوساطة بين الطرفين, وروسيا وقفت على ضفة دمشق “قسد” , ومغامرة أردوغان ستعني إغضاب روسيا من جهة ,والتي يعني غضبها لاشك ,اللعب في النار وحرق الأصابع ومعها المصالح . ومن جهة ثانية إغضاب إيران لطالما ستقع العملية العسكرية في تل رفعت بريف حلب الشمالي التي تقع على بعد 10 كم فقط من بلدتي نبّل والزهراء ,اللتين تحاذيان الطريق العام الذي يربط مدينة حلب ببلدة اعزاز الحدودية مع تركيا ,والتي تسيطر عليها فصائل مسلحة موالية لأنقرة, ومن المعروف أن غالبية سكان نبّل والزهراء من الشيعة المعروفين بولائهم لإيران ,التي لن تقف مكتوفة الأيدي في حال كررت فصائل أنقرة وقواتها سيناريو العام 2013 عندما حاصرت البلدتين لمدة ثلاث سنوات وارتكبت مجازر و اعتداءات على سكانهما الشيعة.

ربما الظروف اليوم مختلفة فثمة تغير في المناخ العام ,والسفن التي شنت الحروب في منطقة الشرق الأوسط تجنح اليوم نحو السلم ,مجبرٌ ربانها لا بطل ,على وقع الحرب التي شنتها روسيا على أوكرانيا ,و أردوغان نفسه بدأ يمدّ يده للصلح وكأنه أدرك أهمية تصفير المشاكل مع الجيران ,وهو ما بدأه في الإمارات ومن ثم السعودية ومصر ,ولا ضير أن يتكرر المشهد ذاته في سوريا, ولاسيما أنها شريكته في حدود طويلة وفي قضية قومية على أعلى المستويات ,وهو تهديد الانفصاليين الأكراد . لكن ما المقابل إذا ما تبددت غيوم الخلاف , ربما هي اتفاقية “أضنة” التي تطل برأسها في كل مرة يشتد فيها الخلاف ويبدو الصلح سيد الأحكام ,فهل من الممكن تطبيقها اليوم في ظل الظروف الراهنة؟

دخلت إيران على خط الصلح وأعلن وزير خارجيتها حسين أمير عبد اللهيان أن طهران مستعدة للعب دور الوسيط ولقيت تلك الوساطة ترحيبا من أنقرة ودمشق حيث زار الدبلوماسي الإيراني العاصمتين واستمع إلى وجهات النظر المختلفة ,فهل ستتحد الرؤية ليكتمل المشهد ؟ تركيا باتت تعي ماذا يعني إغضاب روسيا وإيران في سوريا مجددا, وتعي بالمقابل ماذا يعني أن تصالح وتأخذ من البيدر ما يجعل أردوغان ينال ثقة الشعب التركي فيما لو ضمن له أمنه من “البعبع” الكردي الانفصالي ,ويكمل كسب ثقة الشعب بعد أن ارتدّ عليه الصلح مع دول الخليج استثمارات من شأنها إنقاذ الاقتصاد التركي من الحضيض ,وبالتالي إنقاذ ماء وجهه ورفع حظوظه بالفوز في الانتخابات الرئاسية التركية المقبلة. لكن كيف سيكون شكل هذا الصلح ؟ هل ستنسحب تركيا من الأراضي السورية التي احتلتها ؟ وأين ستذهب الفصائل السورية المسلحة الموالية لها ؟ وماذا عن هيئة تحرير الشام “جبهة النصرة” سابقا ؟ وماذا عن اللاجئين السوريين المعدودين بالملايين داخل الأراضي التركية والموعودين بسكن بديل في المنطقة الآمنة التي بشّرهم بها أردوغان ؟

لاشك الحل سيكون على قاعدة اتفاقية “أضنة” التي تنص على أن سوريا لن تسمح بأي نشاط ينطلق من أراضيها بهدف الإضرار بأمن واستقرار تركيا. كما ولن تسمح بتوريد الأسلحة والمواد اللوجستية والدعم المالي والترويجي لأنشطة حزب العمال الكردستاني على أراضيها. ولن تسمح لأعضاء حزب العمال الكردستاني باستخدام أراضيها للعبور إلى دول ثالثة. كما وتنص في أحد ملاحقها على أنه “يفهم الجانب السوري أن إخفاقه في اتخاذ التدابير والواجبات الأمنية ،المنصوص عليها في هذا الاتفاق، يعطي تركيا الحق في اتخاذ جميع الإجراءات الأمنية اللازمة داخل الأراضي السورية حتى عمق 5 كم” . لكن أطماع تركيا اليوم زادت حتى وصل مطلبها إلى عمق 30 كم, فهل سيكون هو التعديل المطلوب على اتفاقية “أضنة”؟ ربما سيكون هو الشرط التركي للانسحاب من الأراضي السورية ,أما عن الأكراد فهم أمام خيارين إما مواجهة العدوان التركي عسكريا وتحمل تبعاته التي ربما هي فوق طاقاته العسكرية واللوجستية أو الاتفاق مع الدولة السورية على انتشار القوات السورية بأسلحتها الثقيلة والنوعية لتشكل سدا منيعا يضمن للأتراك عدم نشاط الانفصاليين الأكراد صوب الأراضي التركية ,وبضمانة روسيا, وكأن المعادلة تقوم على ضمان طهران لدمشق وضمان موسكو لـ”قسد” .

مايجري اليوم يذكرنا بما حدث بالأمس القريب وتحديدا في العام 1998 عندما حشدت أنقرة للحرب مع سورية وأوشكت على إعلان ساعة الصفر لولا الوساطة المصرية الإيرانية التي انتهت بتوقيع اتفاقية “أضنة” وحقن الدماء وتراجع القوات التركية . لانستبعد أن يتشابه مشهد الأمس مع مشهد اليوم وأن يتم الاتفاق الذي سيمنع أردوغان من شنّ العدوان ما سيؤسس للصلح الذي سيبنى عليه علاقات تدريجية تنهي حقبة من الخلافات بين البلدين امتدت لعقد من الزمن ,وتحلّ عقدة اللاجئين والمسلحين من مرتزقة سوريين وجهاديين أجانب من تنظيم “النصرة” ,وهو ما سيكشف عنه صباح ما بعد عيد الأضحى المبارك الذي أشيع أنه موعد لإطلاق العملية العسكرية التركية ,أليس الصبح بقريب؟

‎2022-‎07-‎11