افكار بين شقي الرحى
العراق واساطيره السياسية


ا.د.عامر حسن فياض
غلبت الخصائص الاسطورية والعملية التطبيقية على تشكيل العقل العراقي القديم، الامر الذي انعكس بجلاء على الفكر السياسي. وكان الفرنسي جان بير فرنار (1914-2007م) قد اشار كتابه(اصول الفكر اليوناني) الى الطبيعة السياسية لأسطورة الخلق البابلية واساطير التكوين الاغريقية التي اعتبرها اساطير تتعلق افكارها اساسا بالسلطة الحاكمة ومصدرها واصلها مما يجعل منها وبشكل اساس اساطير سياسية ، ذهب الباحث والمترجم الانكليزي(فرانسيس ماكدونالد كورنفورد(1874-1943م) الى الرأي ذاته فيما يتعلق بأساطير التكوين الاغريقية. ووفقا للأساطير الرافدينية والنيلية القديمة،فأن الاصل والمصدر الالهي للسلطة السياسية في العراق القديم ،يختلف عن الاصل والمصدر الالهي للسلطة السياسية في مصر القديمة ، حيث يتميز الاصل الالهي للسلطة السياسية في بلاد الرافدين القديمة بطابع المركب الالهي-البشري في ان واحد، بما يجعل منها سلطة الهية في السماء وبشرية على الارض. فقد افترض العقل العراقي القديم وجود حكومة سماوية الهية تدير امور الكون والحياة عبر مجلس يضم الالهة ويرأسه الاله الاكبر، ويختار هذا المجلس واحد من البشر ليكون حاكما على الارض، فالسلطة اذا ذات اصل ومصدر الهي مقدس، لكن الحاكم بشري بروحه وجسده وليس الها كما افترض العقل المصري القديم،والانسان، حتى من كان حاكما ،لا يمكن ان يكون الها ، ولا ان يشارك الالهة غي اهم صفاتهم (الخلود)،مهما حاول او فعل، لانه يبقى في النهاية كائنا بشريا فانيا. وقد افترض العقل العراقي القديم في اساطيره امرين:
الامر الاول : ان الانسان مخلوق فان ، وان الخلود خاصية لا تحوزها الا الالهة.
الامر الثاني : ان عقاب الانسان وثوابه امران دنيويان لا وجود لهما في عالم الاموات.
فضاعفت هذه الافتراضات من اهمية التشريع القانوني في الحياة الاجتماعية ، واكدت دوره في استقرارها النفسي والمادي. وتتجلى هذه الفكرة بصورة اوضح في الملحمة السومرية(كلكامش)،اشهر الملاحم العراقية القديمة،والاكثر اهمية بين مرجعيات الفكر السياسي القديم في بلاد الرافدين. حيث تحكي هذه الملحمة قصة (كلكامش)الملك الخامس لأوروك الذي ثلثاه اله خالد وثلثه بشري فان، الملك الذي يرحل عن بلاده باحثا عن الخلود بعد موت صديقه الحميم (انكيدو) وتقابله في رحلته صاحبة حانة الالهة التي تحاول تخليصه من وهم طلب الخلود، وتنصحه قائلة: (الى اين تمضي يا كلكامش ؟ ان الحياة التي تبحث عنها لن تجدها، فعندما خلقت الالهة البشر،قسمت لهم الموت، واستأثرت في ايديها بالحياة.اما انت يا كلكامش فأملئ بطنك،ومتع نفسك،واجعل ايامك اعيادا،وارقص والعب ليل نهار،نظف ثيابك، واغسل رأسك،واستحم بالماء، احن على الصغير الذي يمسك بيدك،ودع الزوجة تفرح في احضانك،فهذا هو حظ البشر على الارض).
لكن كلكامش يرفض هذه النصيحة المعبرة عن الروح الحسية العملية الغالبة على حضارات بلاد الرافدين، ويستمر في بحثه الذي يوصله الى نبتة شوكية عجيبة تمنح الشباب لمن يأكلها ولكنه يفقد هذه النبتة حين تسرقها منه الافعى ، فيقدر لها ان تجدد شبابها وتغير جلدها على الدوام، ليعود كلكامش وقد اكتشف انه كان ثلثي اله وثلث انسان، فأن انسانيته الزمنية المتناهية، غالبة على الهيته الخالدة اللامتناهية، وان الخلود امر يخص الالهة وحدها، اما البشر، او من بهم شيء من خصائص البشر، فبشريتهم تغلب ماسواها.
‎2022-‎07-‎06