أعلام الفكر العربي في الأندلسي ابن رشد ( الحلقة 2)!
علي رهيف الربيعي
ابن رشد هو سليل أسرة من العلماء و القضاة، ولد بقرطبة سنة ٥٢٠ هج ( ١١٢٦ م)، ودرس بها دراسة حسنة، وبرع بالأخص في الفقه وعلم الكلام والفلسفة والطب، وقد ظهر جده وسميه القاضي أبو الوليد بن رشد ايام المرابطين، وكان أثير لدى عاهلهم علي بن يوسف بن تاشين. وهو الذي أفتى بوجوب تغريب النصارى المعاهدين من الأندلس، حينما ائتمروا مع الفونسو المحارب ملك ارجون واستدعوه لغزو الأندلس، وعاونوه أثناء غزوته بالمال والرجال والمؤمن (١١٢٦) باعتبار انهم قد نقضوا العهد، وخرجوا عن الذمة.
وكان ابن رشد قد ذاعت شهرته الطبية والفلسفية ذيوعا عظيما، وكتب كثيرا من كتبه الفلسفية، ومعظمها في تلخيص كتب ارسطو وشروحها، وكتب كذلك كثيرا من الكتب الطبية، ومعظمها تلخيص وشروح لكتب جالينوس، ومنها شرح ” لأرجوزة” الشيخ الرئيس ابن سينا في الطب، وكتب كذلك كتابه في ” الكليات” في الطب. وهذا كله عدا ما كتبه في الأصول والفقه وعلم الكلام والحكمة والمنطق. وقد بلغت تصانيف ابن رشد في مختلف العلوم اكثر من سبعين كتابا ورسالة، اشتهرت كلها في المغرب والمشرق، وترجم الكثير منها الى اللاتينية منذ القرن الثالث عشر الميلادي، ولا سيما شروحه لفلسفة ارسطو، وهي التي جعلت لابن رشد أعظم مكانة في التفكير الأوربي، منذ العصور الوسطى الى العصر الحديث.
وكان الخليفة يعقوب المنصور كأبيه عالما متمكنا، يجمع حوله صفوة العلماء والمفكرين، وكان يعشق الجدل والمناقشات الفلسفية، ويعقد مجالس خاصة يستمع فيها الى آراء ابن رشد وشروحه، ولا سيما في علاقة الفلسفة بالدين، وهو الموضوع الذي كتب فيه ابن رشد فيما بعد رسالته ” فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال”. ومن الغريب ان يقال لنا أن ابن رشد، بالرغم مما كان يحيط بمقامه العلمي من ضروب التوقير والتكريم، لم يكن يتمتع بالمظهر اللائق بمكانته من حيث الملبس والتجمل. وقد وصفه لنا القاضي أبو مروان الباجي في قوله : ” كان القاضي ابو الوليد بن رشد حسن الرأي ذكيا، رث البزة ، قوي النفس”.
وكان. الحفاظ والفقهاء الموحدون ، سواء في المغرب أو الأندلس ينقمون على ابن رشد آراءه ودراساته الجدلية والفلسفية.، وينقمون عليه بسبب منزلته لدى الخليفة. وكان كثير من هؤلاء، وكثير من غيرهم من خصوم الفيلسوف، يبثون حول آرائه ونظرياته دعاية مسمومة، ويرمونه بالمروق ، والخروج عن أحكام الإسلام الصحيحة. وكانت الفلسفة ودراساتها بارغم مما كان يتسم به البلاط الموحدي، منذ عهد الخليفة عبد المؤمن، من رعاية العلم والعلماء من الموضوعات المكروهة المريبة. وهكذا كان خصوم ابن رشد يجدون في دراساته وكتاباته مواد اتهامهم.
وعلى أي حال فقد انتهى الأمر بادانة الفيلسوف وقضى الخليفة المنصور بمعاقبته بالنفي من قرطبة، وعتقاله ببلدة ” اليسانة”.
ولبث ابن رشد في معتقله في اليسانة زهاء ثلاثة أعوام. ثم إن جماعة من أكابر اهل اشبيلة خاطبوا المنصور في شأن ابن رشد وزملائه، وتشفعوا لدية في سبيل اقالتهم والعفو عنهم، ونفوا بخاصة عن الفيلسوف تهمة المروق والزيغ، وشهدوا بحسن إيمانه وسلامة عقيدته،.
وهكذا استرد الفيلسوف حظوته ومكانته في البلاط الموحدي. وعاد إلى مراكش ليلتحق ببلاط الخليفة. بيد أنه لم يمكث بها سوى فترة يسيرة، وتوفى في التاسع من شهر صفر سنة ٥٩٥ هج ( ١١٩٨ م)، وهو في الخامسة والسبعين من عمره. ودفن ابن رشد أولا في مقبرة ” باب تاعوزوت” خارج مراكش، لمدة ثلاثة أشهر فقط، ثم حمل الى قرطبة مسقط رأسه.

تمثال الفيلسوف ابن رشد في مدينة قرطبة الأندلسية في إسبانيا - (أرشيفية)
‎2022-‎06-‎23