منتصف تموز وقرع طبول الحرب!


سعادة مصطفى أرشيد*
ساد العالم نظام الثنائيّة القطبية لقرن من الزمن وإنْ اختلفت الأقطاب من محور وحلفاء في الحربين العظميين إلى حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفياتي وحلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، تفكك الاتحاد السوفياتي وانهار جدار برلين مؤذناً بانهيار حلف وارسو، فيما بقي حلف شمال الأطلسي وأصبحت زعيمة الحلف هي قائدة العالم من خلال نظام القطب الواحد الذي لم يستطع الاستقرار والثبات أو الاستمرار؛ فصعود الصين الهادئ والسريع كان مصدر قلق دائم لواشنطن ترى ضرورة التصدّي له وتحجيمه، لكن الحرب الروسية الأوكرانية جاءت في غير موعدها المناسب لواشنطن ولتدفع النظام الأحادي القطب نحو مزيد من الترنح باتجاهات متعدّدة، قد لا نعرف على وجه الدقة كيف ستسير في يومياتها ولكن مآلاتها النهائية تشير إلى سقوط هذا النظام، وأنّ نظاماً دولياً جديداً متعدّد الأقطاب سوف يحلّ محلّ النظام الأحادي القطب .

في الفترة التي سبقت الحرب الروسية الأوكرانية، كانت واشنطن تحشد قواها وحلفاءها في بحر الصين الجنوبي، بهدف تطويق الخصم الصيني، استعداداً وتحضيراً لحرب اقتصادية وسياسية مع الصين بأدوات الحصار والتحرش، وربما مع شيء من الاشتباك المسيطر عليه متخذةً من تايوان ذريعة، في سبيل ذلك اتخذت واشنطن قراراً بتبريد جبهات عديدة منها شرقنا، بداية من العودة بجدية ونشاط لإحياء المفاوضات مع طهران حول ملفها النووي، ثم دفع حلفائها لتطبيع علاقاتهم وإنهاء خصوماتهم بعضهم مع بعض، فكانت المصالحة القطرية السعودية والمصالحة التركية المصرية، وكان السماح الأميركي بتجاوز عقوبات قيصر التي أقرّها الكونغرس الأميركي ضدّ سورية، وذلك بإدخال الغاز والنفط والكهرباء إلى لبنان من مصادر أردنية ومصرية وأخرى عبر الأراضي السورية، طبعاً بعد أن تتقاضى سورية حصتها من كلّ ذلك .

الحرب الروسية الأوكرانية أعادت خلط أوراق واشنطن التي فشلت ـ حتى الآن محاولاتها في جعل التورّط الروسي في أوكرانيا مصدر استنزاف لموسكو بما يشابه ما حدث معها في أفغانستان، لكن موسكو ـ مزوّدة غرب أوروبا الرئيسي بالغاز والنفط ـ كانت قد حسبت حساباتها بدقة، فقد أضعفت الحرب من السياسات المشتركة لحلف شمال الأطلسي، ثم أنها وجدت في الحرب مصدر دخل إضافي بسبب ارتفاع أسعار الغاز، وقبض أثمانه بالروبل وفق أسعار صرف البنك المركزي الروسي، الأمر الذي سمح لها بتمويل حربها وعاد عليها بالربح النقدي، فيما تلهث الخارجية الأميركية لمعالجة زلات أقدام بايدن ولسانه باتجاه الصين.

هكذا عادت واشنطن عن سياسة تبريد شرقنا إلى تسخينه من جديد، فتعثرت مفاوضات النووي مع طهران، وزادت السعودية ودول البترودولار الخليجية من إنتاجها بهدف تخفيض سعر الغاز والنفط وبما يعود بالخسارة على موسكو وطهران، فيما تتعرّض سورية لضغط استثنائي من جهاتها الأربع…

التمدّد التركي في الشمال، وقسد وتحالفها مع أكراد البرزاني في الشرق، وتصاعد الهجمات (الإسرائيلية) عليها، ومن أخطرها قصف مطار دمشق وإخراجه من الخدمة، وأخيراً الأردن وما تدّعيه من حرب مخدرات وما تنشره عن حلول الحرس الثوري الإيراني مكان قوات روسية منسحبة من جوارها الشمالي .

بعض من الهدوء الحذر المتقطع يحيط بنا، وسببه تعليمات واشنطن تحضيراً لزيارة بايدن في منتصف تموز المقبل، حيث يزور عاصمة (إسرائيل) القدس وبعض أحيائها الفلسطينية لأسباب إنسانية لا سياسية، ويعرّج على بيت لحم للقاء سريع مع الرئيس الفلسطيني ثم إلى جدة للمشاركة في قمة مع ولي العهد السعودي الذي سيجمع له وتحت زعامته ملوك وأمراء ورؤساء من مجلس التعاون الخليجي والعراق والأردن ومصر فيما تكون (إسرائيل) الحاضر الأكبر وإنْ غابت عن كاميرات الصحافة، لم تدعَ حتى الساعة السودان والسلطة الفلسطينية، ولا ندري هل الغياب بسبب انعدام أهميتهما أم أنّ الدعوة ستصل إليهما متأخرة .

يريد بايدن العودة إلى تسخين المنطقة وإقامة حلف أمني وعسكري وسياسي واقتصادي بين أطراف قمة جدة و(إسرائيل)، شيء شبيه بناتو شرق أوسطي، وكما يرد في تصريحاته انّ ما يهمّه أمن (إسرائيل) وطبعاً الوقوف بوجه إيران ومحورها باعتبارهم العدو الجديد ثم تركيب أجهزة رصد (رادار) كخط دفاع عربي عن (إسرائيل)، فيما ينقل نفتالي بينيت عنه أنه يريد إدماج (إسرائيل) في المنطقة في كلّ المجالات، ماذا يقدّم بايدن لشركائه في القمة مقابل كلّ ذلك؟ الدفاع عن مناصبهم ومكاسبهم، ويضاف إليها تصريح كلاميّ عن التزامه بحلّ الدولتين. من الجدير تذكره أنّ واشنطن لم يعرف عنها الالتزام بتعهّداتها باستثناء تعهّد يتيم لا تزال ملتزمة به وهو (أمن إسرائيل).
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة.
‎2022-‎06-‎23