الأسكندر الأكبر السعودى .. تدشين حكم ومرحلة!


بقلم / ياسر رافع
إن جولة ولى العهد السعودى ” محمد بن سلمان ” فى منطقة الشرق الأوسط فى ذكرى توليه ولاية العهد السعودى منفردا بديلا عن الأمير ” محمد بن نايف ” ، تحمل دلالات كثيرة من حيث التوقيت وطبيعة المستجدات التى طرأت وتطرأ على المنطقة .

الإسكندر الأكبر السعودى _ الإسم التدليلى لولى العهد _ بات قاب قوسين أو أدنى من وراثة أغنى عرش ملكى فى العالم ، بعدما إستتب له الحكم تحت مظلة والده الملك ” سلمان بن عبد العزيز” وسيطر على مفاصل الحكم وتخلص من خصومه المحتملين وقام بترويض الأخرين ، لكن حادثة مقتل الصحفى السعودى ” جمال خاشقجى” قوضت كثيرا من مصداقية ولى العهد دوليا ، وأصبح التخلص من عبأ مناصرته دوليا من قبل الدول الغربية وأمريكا مطلبا رسميا وشعبيا ، وعلى الرغم من الوجه الحداثى والإنفتاحى الذى إنتهجه فى تحويل السعودية من دوله محافظة إلى دوله منفتحه إلا أن ذلك لم يشفع لولى العهد إخفاقه فى اليمن وإدارة ملف العلاقات السعودية الأمريكيه بعد حادثة ” خاشقجى ” وملفات البترول وأوبك بلس .
وكما كان الحظ حليفا للأسكندر الأكبر المقدونى لتولى مقاليد الحكم بعد والده ” فيليب ” فإن الحظ لعب دوره وبقوة من أجل تسارع وتيرة تسلم ” محمد بن سلمان ” مقاليد الحكم ، فقد قامت الحرب الروسية الأوكرانية لتدفع بالمملكة العربية السعودية إلى صدارة المشهد العالمى بسبب أنها أكبر مصدر للنفط فى العالم وأنها تستطيع المساعدة فى كبح جماح التضخم العالمى ، وأصبحت السعودية بولى عهدها فى عشية وضحاها من الأهمية القصوى ليتودد لها العالم العدو قبل الحليف .
وأصبحت مطالبات السعودية الأمنية فى المنطقة محل إعتبار ، وأصبح لديها هامش للمناورة أمام الغرب وأمريكا للحصول على ما تريد وذلك باللعب لأول مرة أو التلويح بسياسة المحاور مع روسيا تارة ومع الصين تارة أخرى . وهو على ما يبدوا قد أتى بثمارة سريعا ، فالرئيس الأمريكى ” بايدن ” الذى رفض مرارا محاولات ترتيب لقاء بينه وبين ولى العهد السعودى قد إضطرته ظروف الحرب الأوكرانية والملف النووى الإيرانى وأمن إسرائيل وأزمة الطاقة والتضخم فى أمريكا ، إلى نسيان مسألة حقوق الإنسان وملف مقتل ” خاشقجى ” وهاهو سيحل ضيفا على المملكة وولى عهدها الذى يعيش نشوة الإنتصار .
لهذا ولإسباب متعددة ومن طبيعة وشكل الإستقبال الحافل لولى العهد السعودى فى الأردن ومصر وتركيا نستطيع وبكل بساطه أن نقول أن هذة الزيارة هى تدشين شبه رسمى لحكم سعودى جديد بقيادة ولى العهد وإعتراف دولى وإقليمى بدور متنامى للسياسة السعودية وبداية لحقبة جديدة تريد منها السعودية أن تقود المنطقة وسائلها فيها هى القوة الإقتصادية الجبارة .
إن إختيار ولى العهد للأردن ومصر وتركيا له دلالات لا تخطأها العين لتصورات السعودية وولى عهدها لطبيعة المرحلة الجديدة ، فالأردن ومصرهما حليفان تقليديان يعانيان من أزمة إقتصادية طاحنه ويعانيان من أزمة تغييرات جيوسياسية مقلقة من دول المنطقة كالإمارات وإسرائيل وتركيا ، ولكلا منهما أسبابه وأن وقوف السعودية الجديدة بجانبهما إقتصاديا عبر حزمة من المساعدات والإستثمارات فإن ذلك سيضمن تحالفا مستمرا ولكن وفق ضوابط المصلحة المشتركة ، وتركيا التى تريد أن تلعب دورا فى ترتيبات الأمن فى المنطقة والسعودية لا تمانع فى لعب هذا الدور وفق ضوابط تمليها طبيعة المنطقة وطبيعة العدور المشترك .
ولكن الزيارة فى ظنى على أهميتها إلا أنها سيقابلها عوائق يمكن التغلب عليها ولكن ليس سريعا ، فالعلاقات المصرية التركية مثلا وإن خفت حدة الخلاف بينهما إلا أن محاولة سعودية لترتيبات أمن فى المنطقة سيقابلها ضرورة تصفية المشاكل الأمنية العالقة بين مصر وتركيا فى ليبيا وشمال سوريا وشمال العراق ومشكلة إيواء عناصر المعارضة المصرية من الإخوان المسلمين ، وكذلك تريد مصر تحديدا وتوصيفا واضحا لطبيعة الدور التركى فى المنطقة إذا أرادت المشاركة . وكذلك سيقابل ولى العهد مشكلة التعاون المتسارع بين الإمارات التى تريد خلافة الخليج وإزاحة السعودية ، وبين إسرائيل التى تريد أن تنفرد بالمشهد الأمنى وترتيباته وتصبح دول الخليج والمنطقة تحت قيادتها العسكرية فى مواجهة إيران وكذل ترتيبات أمنية ممتدة لسنوات طويلة قادمة .
الزيارة أثارت موضوعات وتكهنات كثيرة ، ولكنها ستظل محل تكهنات حتى تأتى زيارة الرئيس الأمريكى ” بايدن ” للسعودية ولقاء القادة السعوديين ، ثم اللقاء المرتقب بقادة دول الخليج ومصر والأردن مجتمعين ، تلك الزيارة التى حملت هى الأخرى بتكهنات كثيرة ، مثل تكوين قوة مشتركة بين العرب وإسرائيل ضد إيران ، وتكوين تحالف لقيادة المنطقة فى المستقبل ، وهلم جرا من التكهنات .
لكن تبقى أهمية زيارة ولى العهد السعودى للخارج فى تأكيدها على شيئين هامين وآساسيين ، الأول هو أن تولى كرسى عرش المملكة من قبل الإسكندر الأكبر قد أصبح مسألة وقت ليس أكثر ، وأن ولى العهد يريد التأكيد على أن مرحلة جديدة فى المنطقة بدأت وأن السعودية بقيادته المستقبلية ستغير من قواعد اللعبة فى المنطقة ولسنوات قادمة .
‎2022-‎06-‎23