عقم سؤال “لماذا لا يستجيب الملك؟”

جمال الطاهات

إن تكرار سؤال لماذا لا يستجيب الملك للمطلب الشعبي على مدار سنوات، يعكس عدم نضج الحوار الوطني، وعدم توفر مركز عمل وطني ينهي مركزية الملك في عملية التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للدولة.

 فما يزال الملك يستحوذ على التفكير السياسي لنخب العمل الوطني، التي تحصر تفكيرها في البحث عن وسائل محددة، لدفعه للاستجابة للمطلب الوطني، في ظل معادلة القوة الراهنة.

فالعديد من الحوارات التي تبدأ بسؤال لماذا لا يستجيب الملك، تقفز إلى أسئلة أخرى، كيف يمكن أن يستجيب، ومتى يستجيب، وما هي شروط استجابة الملك للمطلب الشعبي؟ وهذه أسئلة جميعها تظهر بأنه ما زال مسيطراً على نمط تفكير نخب العمل الوطني، ويستحوذ على مركز تفكيرها السياسي.

 مما يجعل الإجابات لها وظيفة بائسة واحدة وهي البحث عن الفعل الذي يمكن أن يدفع الملك للاستجابة. وهذا كمن يريد أن يصيد السمك في صحراء الربع الخالي.

إن مفتاح التحولات التاريخية للشعوب هو فك الارتباط بين الشعب ومركز السلطة الذي يعارض إرادة الشعب. فكل الأسئلة التي تربط المستقبل باستجابة الملك، أسئلة خطأ وتأخذ الشعب ونخب العمل الوطني إلى مسارات سقفها احتجاجي، بغض النظر عن الأدوات والتكتيكات المتبعة.

البديل للسؤال العقيم هو كيف لشعبنا أن يحقق مطالبه؟ فهذا تركيب جديد للسؤال ينقل مركز التفكير من الملك إلى الشعب، مما يفتح الباب لإجابات تمكن شعبنا من تطوير أدوات وأشكال عمل جديدة، في طريق استرداد دولته سلطة وموارد، فيحقق استقلاله عن سلطة الملك على المستوى الفكري والمعنوي، كخطوة أولى ليسترد الشعب مركزيته في دولته.

 إن استقلال أحلام شعبنا بواقع أفضل ومستقبل أبهى عن نوايا الملك وخياراته، هي الخطوة الأولى لاسترداد الدولة سلطة وموارد.

وهذا يتطلب البدء بطرح نمط جديد من الأسئلة كخطوة مركزية لتطوير العمل الوطني الديمقراطي ليسترد شعبنا مركزيته في دولته.

والبداية هي بإعلان موقف واضح: نحن لا نفكر للملك. نحن معنيون بمصالح شعبنا ومستقبله وليس بمستقبل الملك وعائلته، “يعني يصلح ولا عنه ما أصلح”. إذا استجاب الملك للمطلب الشعبي والاحتجاجات فهذا شأنه وإذا ما استجاب “ألله عمره لا يستجيب”. وبعض الطامحين يمكن لهم أن يقولوا: “الله لا يهديه على الخير، وإن شاء الله ما يستجيب خلونا نخلص”.

 إن تبلور الإرادة الشعبية بمشروع سياسي واضح، شرط لتكريس وجود شعبنا كحقيقة موضوعية، وهي بداية النهاية لوجود إرادة الملك فوق إرادة الشعب وبديلاً عنها. إن نجاح الملك وعائلته في فرض إرادتهم بديل لإرادة الشعب، مرهون بغياب إرادة الشعب كحقيقة سياسية مركزية في الدولة. 

لن يغير العمل الاحتجاجي من أولويات الملك، ويجب التعامل معه كصيغة تعبوية شعبية هدفها كشف الفجوة بين إرادة الشعب وإرادة الملك، ولتحرير شعبنا من وهم أن مشاكلهم ستحل عن طريق الملك.

 لا يمكن دفع الملك للتحرك خارج مساره الذي اختاره من سنين، وتبني سياسات مختلفة عبر الاحتجاجات. لقد انتهت هذه الفرصة منذ عقود، وغاية ما يمكن أن تحققه الاحتجاجات من تأثير على سلوك الملك وعائلته هو تعديل وسائل الهيمنة لتمرير ما يريدونه على الشعب للحد من الاحتجاجات، ولن يتم تغيير أهداف وأولويات سياساتهم وخياراتهم بالاحتجاجات. فهم يعلمون أننا نعلم، بأنهم لا يقيمون حكمهم على رضى الشعب بل على قهره وتغييب ارادته.

الشرط المركزي لتغيير سلوك أي حاكم في أي مجتمع وسياساته وخياراته عبر الاحتجاجات، تتلخص في أن يقتنع بأن استمراره في الحكم مرهون برضى الشعب. وهذا للأسف ليس في المتناول في المدى المنظور. فما تزال موازين القوى تميل لصالح الملك وعائلته بشكل حاسم، والعمل الاحتجاجي لن يغير منها، ولكنه يفتح الباب لخيارات سياسية من شأنها تغيير الموازين التي تسمح للملك وعائلته بأن يعتقد بأن بإمكانه شطب الإرادة الشعبية وإحلال إرادته بديلاً عنها.

والخطوات الممكنة ليست كبيرة، ولا استثنائية، ولكنها تحتاج لتغيير زاوية النظر وتركيب الخطاب، والتركيز على أن المطلوب ليس الإجابة على سؤال لماذا لا يستجيب الملك للمطلب الشعبي، بل يجب أن يصبح السؤال كيف نحقق المطلب الشعبي، وما هي الخيارات المتاحة في ظل موازين القوى الراهنة، وكيف نعدل هذه الموازين؟ مع ضرورة التأكيد على أن تغيير نمط التفكير ونمط الخطاب، هو الخطوة الأولى الضرورية والحاسمة التي تفتح الأبواب لتغيير وتعديل موازين القوى لصالح الشعب.

‎2022-‎06-‎25