المال العالمي مقيّد! ا

بو زيزوم
المال عصب النشاط الاقتصادي الراهن. قد يقول قائل: ومتى لم يكن المال عصب الاقتصاد؟. وله الحق ان يطرح هذا التساؤل لو اننا نتحدث عن المال بمعناه التقليدي أي النقود التي تشترى بها السلع! غير ان مفهوم المال تغير جذرياً في عالم اليوم، ولم يعد المشترون يحملون نقوداً في جيوبهم ولا حتى ارصدة فعلية في البنوگ. لقد انتقل المال الى حالة افتراضية لا وجود لها على ارض الواقع. انه ارقام نظرية مكتوبة على عقود وسندات وكمبيالات واستحقاقات مختلفة لو تقرر الايفاء بها فعلاً لتبيّن انها غير موجودة ولا حتى عُشرها. ويكفي مثلاً ان الحكومة الامريكية مطلوبة ديوناً داخلية فقط اكثر من الناتج الامريكي برمته، فإذا أضفنا إليها فوائدها ادركنا فظاعة الرقم.
هذا المبلغ الفلكي من الاموال في العالم والذي يدور على مدار الساعة مثل دوران الدم في عروق الاحياء هو في حقيقته شيء نظري تتمثل حركته الدائبة في عمليات مقايضة ومقاصّة وتحويلات نظرية هي الاخرى وودائع افتراضية. فالبنوگ في العالم مفتوحة النوافذ على بعضها بنفس طريقة انفتاح كمبيوترات العالم على بعضها فيما اصطلح على تسميته بشبكة الإنترنيت. ولك ان تتساءل اين تخزن كل هذه المعلومات الموجودة على الشبكة والتي ينهل منها الجميع في كل مكان! طبعاً لا وجود لها في مخزن ملموس على وجه الارض ومع ذلك فإن حضورها المؤثر يتزايد باطّراد الى الحد الذي يهدد بنسف عالمنا في حال ضياعها او تعذر الوصول اليها جماعياً.
تطور قطاع المال في المراحل الاخيرة بشكل هائل، وحسبك ان تستلم الحوالة النقدية في اي مكان من الارض بعد دقائق فقط من طلبها. هذا الجانب من العمل المصرفي، واقصد به استلام الحوالة، يكاد ان يكون الجانب الفعلي الوحيد في كل العملية، وعداه عمليات نظرية، فالافراد ذاتهم يشاركون في العملية الافتراضية مباشرةً بأشكال متعددة، مثلما يحصل عندما يدفعون اثمان مشترياتهم عبر الفيزا كارد. وبمقدار ما يتطور القطاع تتطور معه وسائل حماية الحقوق من الضياع، فالعقود الدولية باتت تشتمل على بند يسمح بالتسديد دون انتظار موافقة المدين، الامر الذي يوفر ضمانة لأصحاب المال تشجعهم على اقتحام السوق. والنتيجة الاهم في كل ذلك ان قطاع المال اصبح عابراً للحدود وترابطت اجزاؤه ليصبح مثل شركة متعددة الجنسيات. وعليه فإن المشكلة المالية التي تحصل في اي مكان تظهر لها ارتدادات سريعة في اماكن اخرى.
يعتبر النظام المالي العالمي في مقدمة المتأثرين بالازمة الاوكرانية، ويرفع من تأثره عاملان رئيسيان: الاول، ان الدول الغربية لم تحاول النأي بهذا القطاع الحساس عن الازمة وانما تعمدت إقحامه في صميمها على أمل توظيفه كسلاح ضد روسيا. وبصرف النظر عن مقدار تضرر روسيا من هذا السلاح فإن السلاح نفسه سيكون المتضرر الاكبر، كفلاح يرجم الارانب البرية بالبطاطا لإبعادها عن الحقل! قد يؤذيها لكن ما يخسره اكبر من اذاها بكثير. والثاني، أن المال بطبيعته حذر، يتردد كثيراً قبل الاقدام على المجازفة، وتلعب التوقعات دوراً رئيسياً في اتخاذه القرار. لذلك نراه يتهاوى احياناً بسبب تصريح او استطلاع رأي او مجرد اشاعة. والازمة الحالية تمثل تحدياً خطيراً يدفعه بقوة نحو الاستكنان، مثل مزارعين قُبيل العاصفة جل همهم حماية المحاصيل من التلف. فالركون الى الملاذات الآمنة يطغى على البحث عن ارباح. ولأن المال العالمي مترابط فإن الازمة الحالية تلقي عليه بظلالها الداكنة. انه يعيش حالة ترقب ويستعد للأسوأ. مثل جنود منهارين يحاول كل واحد فيهم ان لا يكون الهارب الاول كي لا يتحمل مسؤولية الهزيمة. فأول بادرة انهيار، من شاكلة افلاس بنگ رئيسي او هبوط سريع للتصنيف الائتماني لدولة رئيسية، سيقود الى تهاوِ ممتد يشبه سقوط أحجار الدومينو.
( ابو زيزوم _ 1282 )
‎2022-‎06-‎22