الثورات أكبر من دعاتها ومدعيّها!

جمال الطاهات

نظرية الضوضاء (ِChaos Theory)، التي تتحدث عن تشكل الاحداث العظيمة من بدايات صغيرة جداً، تؤكد أن الحدث الكبير الذي يمثل اجتماع عدد لا نهائي (وغير محدد احصائياً) من الاحداث الصغيرة، تنطلق في لحظة استثنائية، “وضمن شروط ابتدائية لا يمكن السيطرة عليها”. حيث يستطيع جناح فراشة يخفق على شاطئ جزيرة أوكيناوا اليابانية أن يشكل اعصاراً مدمراً يضرب مدينة سان فرانسيسكو، ومع ذلك كل الفراش يتراقص فرحاً، ولا تدعي فراشة أنها تريد “السيطرة على الشروط الابتدائية” واحتكار تشكيل إعصار سان فرانسيسكو.

 

محمد بوعزيزي لم يطلق دعوته للشعب التونسي ليثور، هو “فراشة من ملايين الفراشات تتراقص قهراً بين المحيط والخليج” تمردت على قيود الاستسلام وأصرت على الفعل الذي يمكّن من استرداد الحياة راهناً ومستقبلاً، ورقصت رقصة الغضب والثورة ضد الفقر والمهانة وضد العجز وعدم القدرة على تحدي الاستبداد، وفي لحظة أغفلتها أجهزة زين العابدين بن علي، تشكلت موجات متلاحقة وتصاعدت حتى أطاحت بالمستبد الفاسد وحواشيه، وتصاعد رجع الصدى بين المحيط والخليج. وحين فر المستبد الفاسد، قفز لشوارع تونس الكثير من ضحايا عهده البائد الذين “هرموا وشابت منهم الذوائب” بانتظار سقوطه، يغسلون مرارة هزائمهم بدموع الفرح.

 

وحتى لا “نهرم” ونحن ننتظر رجع صدى رقصات الغضب والثورة، فنحن معاصري الموجة الثالثة من أمواج الربيع العربي، علينا أن لا نجلس بانتظار انهيار قوائم المستبد الفاسد، بل علينا أن نستعجل مجيء تلك اللحظة ما استطعنا بالتهيئة لها، فلا شيء يستعجل الحدث العظيم مثل الاستعداد له. والمهمة الأكبر هي تهيئة شعبنا ليكون مستعداً لمرحلة ما بعد المستبد الفاسد. فمن العار أن نجلس بانتظار الحلم، وعلينا أن نستعجل طلوع النهار لنعمل من أجل تحقيقه، وتمكين شعبنا بأن يحتفظ بما سينجز، وان ينطلق من تلك اللحظة نحو مستقبل لا فساد فيه ولا استبداد يعيق تقدمه.  

الثورات يمكن توقعها والاستعداد لها لإنجاحها، وتأثيث المرحلة التي تليها بمشروع سياسي واقتصادي وإداري متكامل، هو الذي يستعجل مجيئها ويجعلها حقيقة آتية لا ريب فيها. ولكن لم أقرأ عن ثورة شكلتها دعوات “المناضلين” وتنظيماتهم. فالثورات حدث تاريخي فريد، لا تطلقه دعوة، بل يتشكل بفاعلية حدث أصيل يطلق سلسلة أمواج متصاعدة، تضرب قوائم المستبد الفاسد حتى تنهار وينهار هو معها، أو يفر تاركاً حواشيه تحت رحمة الغاضبين.

 

في عام 1984 حين انتفض الشعب السوداني واطاح بالنميري، كان الآلاف من المناضلين السودانيين يفركون عيونهم ليتأكدوا بأنهم يشاهدون جماهير الخرطوم وأم درمان في الشوارع. صحيح أن تحالف شعبي عريض شكل تلك الثورة، ولكن المؤكد أن مرحلة ما بعد نميري لم تأخذ الكثير من الجهد النضالي أثناء الاستعداد للتخلص منه، لذلك لم تعمر الديمقراطية أكثر من بضع سنوات. وهذا تكرر لاحقاً، حيث تركت الثورة وتضحيات من ضحى في سبيلها لتتحول إلى غنيمة لشكل جديد من الاستبداد تسد ظلاله أفق المستقبل. 

 

الحدث الثوري الكبير، لا تحققه ولا تصنعه المنصات التي تدعوا له، بل سيأتي محمولاً على أخطاء المستبد الفاسد وعلى غضب الشعب وسعية لاسترداد مصيره. إذ تتشكل ملامح الثورة في سياق دفاع الناس عن حقوقها، والمضي لتحقيق حلم يعترضه المستبد الفاسد.

 

صحيح أن الثورات لا تصنعها المنصات التي تدعوا إليها، ولكن هذا لا يعفي طلائع الإصلاح والتغيير من الفعل التعبوي اليومي الدائم والمستمر. فالتعبئة التي تسبق الحدث الكبير ضرورة لضمان الجدوى ومنع المستبد الفاسد من تحويل الانتفاضة الشعبية إلى مجرد عملية تفكيك فوضوية، وحرمان الشعب من “فرصة” إعادة تركيب عناصر الدولة بمنظومة سياسية وإدارية جديدة تعمل بنهج جديد.

 

من الطريف أن نتذكر، ما سبق هبة نيسان عام 1989، حيث كانت هناك اجتماعات متتالية للعديد من القوى النضالية في الأردن حول مهرجان جرش، وجاءت انتفاضة نيسان لتشكل سياقاً جديداً للحوار السياسي الوطني. وتكرر ذات المشهد عام 1996، وعام 2012، حيث سبقت حركة الشعب حركة النخب، وأعادتها إلى السياق التاريخي الصحيح، وربما نحن لسنا ببعيدين عن مفارقة شبيهة تثبت القاعدة المركزية التي تنظم علاقة النخبة بشعبها وقوامها: “النخبة التي تتعالى على شعبها ولا تتعلم منه سوف تُهمش”. 

 

“الشعب” بكل تشكيلاته وقطاعات فاعليته، كان وسيبقى هو المعلم والملهم للنخب وليس العكس. والتشدق بخطاب “إدانة شعبنا” لأنه لا يستجيب لدعوات “القادة العظام”، لن يضير الشعب ولن يمنح أصحاب هذه الدعوات “المرقب العالي”. فالتعالي على الشعب ليس مصدراً للشرعية، ومن يتعالى على شعبه لا يتحول إلى مناضل، ومن يتمسك بالموقف النضالي من أجل الشعب عليه أن يتمسك بنبل الموقف ويقوم بإحدى مهمتين: التعبئة لليوم الكبير، أو الاستعداد وتهيئة البرامج لليوم الذي يليه.

 

أخيرا، فإن تجربة الموجة الأولى من الربيع العربي تؤكد أن عدم الاستعداد لمرحلة ما بعد المستبد الفاسد، تحول الثورة وتضحياتها ومنجزاتها لغنيمة لمستبد فاسد جديد، أو تفرغها من مضمونها التقدمي ومن كونها بوابة مستقبل مشرق، وتحولها إلى فعل غضب عبثي لا هدف له إلا التخلص من عار القبول بالوضع الراهن، وتأخذ الجميع إلى مسارات مظلمة.

‎2022-‎06-‎22