اعلام الفكر العربي في الأندلس ( الحلقة – 1)!

علي رهيف الربيعي

وربما كان ابن فرناس القرطبي، أعجب العبقريات العلمية في عصره، وامتاز بصفات عديدة، قلما تجتمع في شخصية علمية واحدة أخرى. فهو فيلسوف ، وعالم رياضي، وطبيعي، وكيمائي، وفلكي من الطراز الأول، وهو موسيقى بارع، واديب وشاعر فذ، وهو فوق كل ذلك اول عالم حاول أن يغزو الجو وان يخترع أداة للطيران..

نشأ ابن فرناس بقرطبة في أواخر القرن الثاني من الهجرة ( أواخر القرن الثامن الميلادي) ودرس بها، وبرع منذ شبابه في الفلسفة والكيمياء والطبيعة والفلك،  وبرع في نفس الوقت في الشعر والأدب والموسيقا، وظهر منذ ايام الحكم بن هشام أمير الأندلس المتوفي سنة ٢٠٦ هج ( 822م).  وعاصر من بعده ولده عبد الرحمن بن الحكم، ثم حفيده محمد بن عبد الرحمن، وحظى لدى هؤلاء الأمراء الثلاثة واتحفهة بمدائحه، وادهشهم بمخترعاته ، وتوفى في أواخر ايام الأمير محمد وقد اربى على الثمانين.

وبرع ابن فرناس في الموسيقا وصياغة الألحان، وفي الغناء، وكان الأمير عبد الرحمن بن محمد يستدعيه الى مجالس انسه، فكان يقدم اليه اناشيد من رقيق نظمه، ويغنيها بحضرته.

على أن أشهر ما اقترن بأسم ابن فرناس، هي محاولته اختراع آلة يستطيع الإنسان أن يطير بها في الجو. وقد انتهى بالفعل الى القيام بتجربته الخطيرة على مشهد من اهل قرطبة ” فكسا نفسه الريش، ومد لنفسه جناحين على وزن وتقدير قدره، ثم صعد الى ربوة عالية بناحية الرصافة، واندفع منها في الهواء طائرا، فحلق فيه حتى وقع في مكان على مسافة بعيدة”.

واشتهر ابن فرناس بهذه التجربة المدهشة التي ملأت مشاهديه من اهل قرطبة رعبا واعجابا، وطار ذكره في كل مكان، حتى قال فيه مؤمن بن سعيد اكبر شعراء العصر :

يضم  على العنقاء  في طيرانها        اذا ما كسى جثمانه ريش  قشعم

ومن الغريب ان ابن فرناس، على تفرده في ميادين الاختراعات العلمية على هذا النحو المدهش، كان يحتل بين شعراء العصر مكانة ممتازة. وكان الى جانب معاصريه الشاعر ابن الكبير بن سعيد بن مؤمن.. وابو عمر عبد ربه صاحب العقد الفريد، من خواص شعراء الأمير محمد، وله في مديح الأمير، وفي الإشادة بحوادث العصر قصائد رنانة.

على أن أعجب صفحة في حياة ابن فرناس، وأكثرها ايلاما، هي محاكمته الشهيرة بتهمة الزندقة والكفر. فقد أثار هذا العلامة الفذ ببحوثه واختراعاته العلمية الفريدة، حسد الفقهاء وشكوكهم، كما أثارت بحوثه الكيميائية والفلكية بداره بالربض الغربي من قرطبة، ثم محاولته للطيران، ظنون الكافة ودهشتهم، واعتقادهم ان الرجل مارق يتمتع بقوى شيطانية خارقة، وقد اثمرت سعاية خصومه من الفقهاء وغيرهم في النهاية، الى اتهامه بالكفر والزندقة واتيان الخوارق الشيطانية. فاعتقل وقدم للمحاكمة ، أمام قاضي قرطبة سليمان بن أسود الغافقي، وعقدت المحاكمة بالمسجد الجامع، وهرع الناس لشهودها، واجتمع حشد من العامة شهودا عليه. وقد نقل إلينا المؤرخ المعاصر، بعض أقوال أولئك الشهود،  فمنهم من قال : سمعت ابن فرناس يقول ” مفاعيل مفاعيل”.

وكان القاضي سليمان بن أسود بالرغم من صرامته، ذهنا مستنيرا فلم ترقه تلك الترهات ولم يجد طائلا ، فشاور جماعة الفقهاء، فيما قيد منها، ولم يجد سبيلا الى مؤاخذة ابن فرناس، وقضى ببراءته وأطلق صراحه.

وهكذا نجا ابن فرناس من محنة كانت تهدد حريته وحياته.

2022/06/21