بمناسبة عيد الأب رحم الله آباءنا وآباءكم وأبي الذي مازال يوقظني
وهو يتلو القرآن بصوته الحنون عند الصباح وقد مرت ثلاثون  سنه على رحيله وهذه صورته عندما لبى نداء الوطن في أول سوق للجيش العربي السوري عام ١٩٥٠ على ضفاف بحيرة البطيحه كما كان يروي لي تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جنانه
 
(أنا يا أبي)

محمد حسن العلي

أنا يا أبي
أسمو بما أسديت لي من نعمةٍ
باقٍ على عهدي ولم أتنكَّبِ
أنا من أذانك نبرةٌ
أنا من صلاتك دمعةٌ وتضرّعُ
من خبزِ سمعتكِ اختزانُ مؤونتي
من طيبِ عَرْفِكَ مشربي
من وجهكَ المكتوب في سطرِ الصَّباحْ
من كفِّكَ المنشودِ في سِفرِ الأقاحْ
من هامةٍ وضعَ  الزَّمانُ وسامَهُ بجبينها
وعَفَتْ رسومْ
ويسيرُ تحتَ جلالِها في موكبِ
هرِمَ  الزَّمانُ ولم تزلْ مرفوعةً  فوقَ النّجومْ
ميّاسةً فوقَ الفضاءِ الأرحبِ
أنا يا أبي…..   
أنا من رؤاكَ مشاعري
علَّقتُ في دُنيا عُلاكَ نواظري
أنا طيفُ أحلامٍ  بجفنٍ متعبِ
مازلتَ في قلبي هوىً
مازلتَ في عمري دقائقَ فجرهِ
ومنارتي .. للمكرماتِ و للعلا يا سيدي…. ومؤدِّبي
اللهُ .. كم عانيتَ والتَّيارُ أنواءٌ بوجهِ المركبِ
اللهُ .. كم قاومتَ وقعَ حرابهِ
ووقفتَ في وجهِ الزَّمانِ المجدبِ
وكم افترشتَ الشَّوكَ تحلمُ بالسَّنا
وكم التحفتَ اللَّيلَ دونَ تململٍ
تأسو الجراحَ بصبرِ أيوبِ النَّبي
لم تَـثْـنِـك الأيامُ رغمَ خطوبِها
وعبرتَ فوقَ نصالِها متحدّياً
كيما أحقِّقَ مطلبي
في راحتيكَ شواطئٌ ..
أبداً يلوِّحُ في موانئِها الأمانْ
في مقلتيك حنينُ أرضٍ للنًّدى
والدفءُ في عينيكَ ..
آيتُهُ الهدى في كلِّ آنْ
يُتلى لحقلٍ أخضرِ
يعلو غناءُ القبَّرات وتغتدي
لتلمَّ من كفَّيكَ زادَ مؤونةٍ 
ويداكَ بوحُ غمامةٍ
في الأرضِ وفرُ غلالها
ويمرُّ طيفُ البيدرِ 
متحدّياً عَنَتَ الزَّمانِ المقفرِ
وتأوَّدتْ في الكرمِ أوردةُ الدّوالي
وانثنت قاماتُها
لتزفَّ في عرسِ الجنى
في كلِّ عنقودٍ تراءى موعدُ
في طيّهِ حلمٌ جميلٌ يختبي
وتعيدُ هذي الأرضُ سكبَ دنانِها
ليعودَ في نسغِ الحياةِ شبابُها
في موسمٍ مترقَّبِ
أنا يا أبي
من قبضةِ المحراثِ …طيفُ مشاعري
من معولٍ حنّت إليهِ الأرضُ…. بعضُ عزيمتي
صمتي وكانونُ الشِّتاءِ… يعودُ بي…
للدفءِ….. للقِصصِ التي خبَّأتَها في خاطري..
وتركتَها .. عبراً تَزينُ دفاتري
لمقاعدِ الدَّرسِ الَّتي عطَّرتها بالذِّكرِ والصَّلواتِ خالصةَ الهوى
أنا في هواكَ قصيدةٌ لم تكتبِ
أنا نبتةٌ من روضِكَ المعشوشَبِ
أنا بعضُ بعضِك يا أبي
مازلتَ رغمَ الموتِ .. أنتَ معلِّمي .. وأنا الصَّبي
يومَ الوداع ….
وكيفَ أنسى قبلةً من وجنتيكَ قطفتُها
وتعلقت شفتايَ فوقَ جبينكِ الوضَّاءِ
أنهبُ من سناه الطيّبِ ..
دمعي كموجِ البحرِ
يبكي في وداعِ الشَّمسِ لما قرَّحت أجفانَه برحيلها
متعلقٌ بخيوطِها .. بقوافلِ الأضواءِ خلفَ مسيرها  
بمشاعلٍ تأوي لخِدرِ جلالها
ومخاطباً:
يا شمسُ بعدَك سوفَ يختطفُ الدُّجى صوتي
ولونَ قصيدتي
متوسّلاً:  لا تغرُبي .. لا تغرُبي

محمد حسن العلي

من ديواني ضفائر الربيع
‎2022-‎06-‎22