مّنْ قَتَلَ شِيوُعْيّاً دّخّلَ الْجَنّةَ!
كريم شعلان
صادفَ يوماً ممطراً، مقتلُ القاسم. في مجلس العزاء الذي عجّ برائحة البخور وعبق أوراق نبتة الياس ودخان لهيب الشموع،
قالها السيّد وهو يُعدّل يشماغه الأزرق المتوّج بعقال رفيع أسود:
”مَن قتلَ شيوعيا دخل الجنّة“. قالها وابتسم، مؤكِّدا قولته بابتسامة، مُستنِدا على آيات وأحاديث وقصائد، تصبّ في مجرى مايرمي إليه، ناظراً بوجوه الجالسين، وبحركة من عينيه، جعل الجميع، يصلّي على النبي بصوت موحّد.
كنتُ أرتجف من البرد، وكان بجانبي حسّون الخبل، ينظر إليّ ويضحك، همس لي:
شمالك، ماتكتل جبار الشوعي، وتروح للجنّة، مو أحسنلك من شغل العمّالة.
ضحكتُ بصوت عال.
صرخَ أبو هاشم – صاحب المجلس -من بعيد:
ولكم، أنتم الجهال نعلة على الخلفوكم، اسكتوا لا اطلّعكم بالچلاليق.
عمّ الصمت، وظل السيّد يحوك بحكايا مزوّقة بقصائد وأقوال، يمرّ من خلالها على أسماء آل البيت، فيهتف الجميع بالصلوات والسلامات، بصحبة دموع مُهيّئة لذروة بكاء ستستمرّ حتى آخر شهقة بصوت السيّد الذي يُشبه في بحته صوت ” سعدي الحلّي“.
بكى حسون الخبل مع بداية الآه التي أطلقها السيد، أول مرّة أشوف حسون الخبل يبكي، لقد تحوّل وجهه إلى مجموعة أسنان تركب بعضها بشكل مُقزّز…كانتْ ترنيمة مُحشرَجة جشّاء، كأنها خرجتْ من بطن أحد الأعزّاء من أموات كلّ واحد فينا، بكى الجميع، وبكيتُ أنا أيضا، من البرد والخيال الذي جعلني أحلم بقتل جبّار الشيوعي.
*** ***
مزاحم الطويل، كان اسمه يكفي لجعلنا نخاف. بعثي صارم، تقول جدتي:
هذا زلمة مايخاف من الله، وفوگاها الله مطّيييييه، عايش بالجنّة، يومية يروح لدولة على حساب الحكومة.
أفزعني قولها“ عايش بالجنّة“ ركضتُ، طرقت الباب، رأيت جبّار قادما نحوي، الحمد لله مازال جبّار حيّا.
كيف ذهب مزاحم إلى الجنّة، وهو لم يقتل ”جبار“ ولايبكي معنا على الحسين ؟.
**** *******
لازمتني فكرة الذهاب إلى الجنّة، فهي الخلاص الوحيد من سطوة ” أبو عماد الخلفة“ وصراخه بوجهي وأنا أركض لإرضائه حاملا له طاسات السمنت والجص وأحمال الطابوق الثقيلة رغم الشقوق التي تركها السمنت على يديّ الصغيرتين. كان أبو عماد يشبه تمثالا من حجر داكن لاقلب له، وكنتُ حالما، أحب أنين السيّد وكلامه عن الجنّة وثواب الآخرة.
شخوص قليلون كانوا موضع اهتمامي وقلقي، وكانتْ جدتي الساخرة هي مَن يوضّح لي، ويضع لكلّ منهم طينته على خدّه.
**** ****
قبل أن يموت ”جبار الشوعي“ بظروف غامضة، كان قد قال في جلسة لأصدقائه في ”مقهى چلّوب“ :
ديروا بالكم من رفيق مزاحم، تره هذا يقتل، ممكن يقتلكم بمسدس أو بجرّة قلم.
**** *****
بعد سنوات حيث صرتُ اقرأ من مكتبة جبّار التي تُركتْ في بيت أمّه المُقعدة، أدركتُ ماكان يرمي إليه السيّد بقوله عن قتل الشيوعيّ، كيف اتّفق السيّد ومزاحم على سبيل دخول الجنّة من خلال قتل جبّار ؟.
***** ******
بعد سنوات، حيث صرتُ قريبا من عمر يقترب من الزهايمر، وأنا أرقب العالم من سماء كندا الصافية، رأيتُ الكثيرين في جنّات كثيرة مُنعّمين كما كانوا من قبل، يخفون في ملفّاتهم أقلاما ومسدسات وابتسامات ماكرة تعود للسيّد.

يتبع
‎2022-‎06-‎21