الذين قست قلوبهم!

درصاف بندحر

درصاف بندحر

يقول أرسطو “أن يغضب أي إنسان فهذا سهل.. لكن أن تغضب من الشخص المناسب، في الوقت المناسب، وإلى الحد المناسب، وللهدف المناسب، بالأسلوب المناسب فليس هذا أمراً سهلاً”.

أحيانا يعترينا الغضب تجاه شخص لا يعنيه في شئ أن نغضب منه، لا يعنيه أن نفرح أو حتۍ أن نحزن.

في أحيان أخرۍ، لا نعرف تخير الوقت المناسب للغضب وقد نبالغ في أسلوب غضبنا ولا نجعل له حدودا.

يحدث أن تكون المبالغة في الغضب مقصودة ولأهداف معينة فيما يتعلق مثلا بملاءمته مع الباعث عليه.

لكن ما يعنينا هو أن نتناول الموضوع من زاويته المعرفية إذ ليس من الهين علۍ من تعوزه المعرفة أن يتبين إلۍ من يوجه غضبه ولا كيف يزن مقدار غضبه أوحدوده أو الهدف الذي يريد بلوغه من وراء التعبير عنه.

قاموس أوكسفورد يعرف المعرفة بكونها الخبرات والمهارات المكتسبة من قبل شخص من خلال التجربة أو التعليم.

كذلك هي الفهم النظري أو العملي لموضوع.

وأيضا هي مجموع ما هو معروف في مجال معين كالحقائق والمعلومات والوعي أو الخبرة التي اكتسبتها من الواقع أو من القراءة أو المناقشة.

إذا المعرفة هي كل ذلك لدۍ القليل وهي البعض من ذلك لدۍ الكثير.

يرۍ أرسطو أن المعرفة ليست فقط نظرية بل هي أيضا عملية.

أن تكون المعرفة عملية هو أن تجعل للناس قدرة على التصرف السليم والعيش في سعادة.

فما قيمة المعرفة إن لم تكن تهدف إلۍ أن يكون الإنسان سعيدا وأن يتشارك السعادة مع الآخر؟

يفهم من ذلك أن هناك خبرة هي علۍ الأرجح نادرة تجعلك وأنت تتعامل مع الناس تستدعي مهاراتك الشخصية لتوظفها في الحياة العاطفية المشتركة مع الآخرين. إنه من الذكاء أن تتمكن وأنت تتعامل مع الآخرين من الوعي بأهمية تحقيق سعادتك أنت  وكذلك سعادتهم.

للعاطفة مكانة مهمة في حياتنا إذ تحفزنا على الاستجابة للمنبهات في البيئة المحيطة بنا، مما يساعدنا على تحسين فرص النجاح والبقاء على قيد الحياة.

عالم النفس”دانيال جولمان”Daniel Goleman (من مواليد 7 مارس 1946) مؤلف كتاب “الذكاء العاطفي” هو أول من تحدث عن هذا المصطلح. يعتبر “جولمان” أن الذكاء العاطفي هو القدرة على التعرف على شعورنا الشخصي وشعور الآخرين، وذلك لتحفيز أنفسنا، ولإدارة عاطفتنا بشكـل سلـيم في علاقتنا معهم.

أن نكون علۍ قدر من الذكاء العاطفي هو أن يكون لدينا وعي بذواتنا فنحدد مشاعرنا بدقة ونسميها باسمها. يترتب عن ذلك قدرة علۍ الانتقال من حالة عاطفية غير مرغوب فيها إلۍ الحالة المقابلة لها.

إذا تمكن الواحد منا من إدارة مشاعره فسيتمكن بالنتيجة من الانتباه إلۍ مشاعر غيره ومشاركته أفراحه وأحزانه ومؤازرته عند الحاجة.

قد تكون مثقلا خلال يومك، متاعب في العمل، حوادث يومية، مشاكل صحية. بالرغم من ذلك ورغما عن أكثر من ذلك فقد تجد في نفسك القدرة علۍ أن تبتسم في وجه أولادك …أن تستمع إلۍ أسئلتهم …. أن تسأل علۍ أحوال صديق… أن تطمئن علۍ صحة قريب…أن تواكب هموم جار. قد تتفاجأ من نفسك وأنت تُحَيِّدُ كل همومك ومشاغلك وحتۍ متاعبك الصحية لتنفتح علۍ الآخر وتتشارك معه تشاركا حقيقيا.

الذكاء العاطفي يتيح لك بالرغم من كبوات الحياة تفعيل خبراتك وتجاربك التي اكتسبتها على مدار عمرك لتتمكن من أن تعطي في الوقت المناسب ما يحتاجه قريب أو صديق أو حبيب وتنشغل معه بما يشغله أو يؤرقه. ربما كلمة منك أو ابتسامة أو تربيت علۍ الكتف أو حتۍ نظرة عين من شأنها أن تقول” أنا معك ولست وحدك” تعني الكثير.

قد تكون ذكيا عاطفيا في محيط لا يمتلك هذه المهارة ولا يقدرها… قد تشعر أن ما تقدمه من تعاطف واهتمام لا يساوي شيئا في نظر من لا يعنيهم من الوجود سوۍ أن يكونوا منتجين… قد يحدث ذلك في نفسك ألما عندما يقابل صدق شعورك بتبلد المشاعر أو اللامبالاة.

“إدوارد تيتشنر” (Edward Titchener) عالم النفس الأنقليزي الذي عاش بين عام 1867 وعام 1927، صاغ مصطلح “التعاطف”وقال في خصوصه: “إن التعاطف ينبع من محاكاة معاناة الآخرين جسميا، باستحضار مشاعر الآخر إلى داخل المتعاطف نفسه، مثال ذلك أن يرى طفل أمه تبكي فيكفكف عينيه على الرغم من عدم وجود دموع فيهما.”

لا تنتظر أن يكفكف عينيه تعاطفا معك من ليس لديه القدرة علۍ أن يستحضر مشاعرك، من تعوزه مهارة النفاذ إلۍ احتياجك غير المعلن ليحاكي ألمك وحزنك ليحمل معك وزر ما يشغلك.

يحدث أن يكون العطاء متصنعا أو ظرفيا لأنه لا ينبع من شعور حقيقي. إن اليوم الجميل الواحد لا يصنع ربيعا، كذلك تكلف العطاء لوقت قصير لا يصنع السعادة. هذا ما يحيلنا علۍ مقولة أن فاقد الشيء لا يعطيه وأن ما نحن عليه، هو ما اعتدنا على تكراره، والمداومة عليه.

انتظر الكثير ممن تعود علۍ العطاء وإن كانت به خصاصة، لكن من لم يتعود علۍ العطاء، فلا تنتظر منه حتۍالنزر القليل.

إن من لا يمتلك مهارة الذكاء العاطفي ليس بالضرورة سيئا أو شريرا. إنه بكل بساطة من أولئك الذين هزمتهم قسوة الحياة فصيرتهم من الذين قست قلوبهم.

***

2022-06-20