من يقود ذلك المحور!

سعادة مصطفى ارشيد

لم تكن جزيرتا تيران وصنافير تحظيان بالاهتمام أو تمثلان أي أهمية استثنائية في أيام الدولة العثمانية، إذ إن شمال البحر الأحمر بكامله تابع للدولة وسيطرتها، وعقب حملة إبراهيم باشا على الشام ثم انسحابه أصبحت العريش حدا ما بين المشروع المصري والدولة العثمانية وخرجت سيناء من أن تكون تابعه لولاية الشام حينا وعكا حينا آخر، فيما بقيت العقبة وخليجها تحت حكم والي الشام، وكان آخر ترسيم حدودي بين مصر متصرفية القدس العثمانية في عام 1906، تم التأكيد على أن (ايله)  العقبة وخليجها جزء من متصرفية القدس، وهذا بالطبع يشمل الجزيرتين.

 

بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية أخذت تتشكل الأوطان وتصنع الهويات في الشرق، فيما كانت مصر تتمتع بصفات الدولة العصرية، فقامت وزارة البحرية والأسطول برفع الأعلام المصرية على الجزيرتين عام 1928، ووضعت فيهما قطعا بحرية وفرقاً عسكرية، لكن أهميتهما الإستراتيجية برزت لاحقا اثر قيام (إسرائيل) وحصولها على منفذ على البحر الأحمر، فالجزيرتان تسيطران على الممر البحري الضيق الخالي من الشعاب المرجانية والصالح للملاحة البحرية، لم تنقطع السيادة المصرية عن الجزيرتين إلا مع حرب عام 1967 حيث كان إغلاق مضائقهما الشرارة التي أشعلت الحرب، وأدت إلى احتلالهما من قبل البحرية (الإسرائيلية )حتى توقيع من اتفاق السلام ( كامب دافيد ) عام 1978 حيث رابطت هناك قوات دولية لضمان حرية الملاحة.

 

في عام 1990 حصلت مراسلات سعودية مع مصر تدعي ملكية تلك الجزر بحجة أنهما كانت ذات يوم تتبعان ولاية الحجاز، ولكن وجود القوات الدولية عاد وأوقف المطالبة السعودية التي بدا لها أن الجزيرتين سوف تمثلان عبئاً عليها لا مكسبا لها.

 

من أفكار ولي العهد السعودي  لعام 2030  حيث يفترض انه ملك المستقبل، بناء مدينته في شمال غرب السعودية على غرار نمط مدن جابريال غارسيا ماركيز أو عبد الرحمن منيف، مدينة أطلق عليها اسم نيوم أي مدينة المستقبل لتكون نموذجا للمدينة الرأسمالية الأحدث في العالم صناعيا وتكنولوجيا وفي السياحة والخدمات ومقرا لكبرى الشركات العالمية والصناديق المالية، وتشمل السياحة بأشكالها المتقدمة الخالية من المحرمات المعمول بها بالسعودية ومراكز فنية ومدن إنتاج الأفلام السينمائية، بالطبع فيها الموانئ الضخمة وخطوط سكك الحديد والمطارات التي استقبلت أول ما استقبلت بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو في تشرين الثاني عام 2020 .

 

كان من مقدمات هذا المشروع الضخم، إحياء ما انقطع بين السعودية ومصر عام 1990، والعودة للمطالبة بالجزيرتين اللتين تمثلان ضرورة حيوية وسياحية للمدينة، وسرعان ما تمت الصفقة التي عارضها الشارع المصري والتي تقايض الجزر بالدعم المالي، ولاحقا أقرها مجلس الشعب والمحكمة العليا في عام 2018.

 

بعد مضي أربع سنوات على التواقيع النهائية، بقي الموضوع عالقا، حتى يمكن نقل القوات الدولية إلى مكان تستطيع السيطرة به على المضائق، ام أن السعودية وبحريتها قادرتان على ضمان حرية الملاحة.

 

(إسرائيل ) المستفيد الكبير من المشروع هي من عارضت، فهي لا تقدم هدايا مجانية حتى لأصدقائها وللعاملين في خدمتها.

 

مؤخراً قبضت (إسرائيل) أثمانا إضافية  إلى التطبيع الذي سيتحول من السرية إلى العلانية في القريب وكان موعده زيارة الرئيس الأميركي للبلدين في نهاية حزيران ولكنه تأجل بسبب ان الإدارة الأميركية تحسست من الزيارة التي ستعطي دعما لفريق (إسرائيلي) محسوب عليها في مواجهة فريق آخر ومحسوب عليها في وقت قد تسقط به حكومة بينت وتتم الدعوة إلى انتخابات، ومن الأثمان ان تقدمت السعودية بمشروع استثماري في الأردن لتنفيذ خطوط سكك حديدية، ويعرف الأردني و(الإسرائيلي) على حد سواء أن هذه الخطوط ستكون في خدمة الاقتصاد  (الإسرائيلي ) للربط بين ميناءي حيفا واشدود والشرق، وهي ستكون بديلا سريعا وزهيد التكلفة لقناة السويس، ثم ان السعودية وافقت مؤخرا على فتح كامل أجوائها أمام الطيران  (الإسرائيلي) المدني والعسكري وهو أمر كان يتم بشكل متقطع وغير معلن في السابق، هذه بعض الأثمان التي قبضتها  (إسرائيل) ولكن مع زيارة بايدن القريبة سيكون المزيد، اذ أعلنت الخارجية  (الإسرائيلية) أنها ستوافق على ضم السعودية الى الجزيرتين الأمر الذي سيدخل حيز التنفيذ طالما وافقت ( إسرائيل).

 

حتى هذا التنازل العجيب من مصر للسعودية لم يكن ليتحقق لولا موافقة (إسرائيل ) حاكم وقائد المحور، وبعد قبضها الثمن الذي أرادت، إلى هذا القاع وصل بعرب أميركا  الهوان.

جنين – فلسطين المحتلة

‎2022-‎06-‎19