ماذا لو كانت التصريحات المسيئة للرسول محمد(ص) قد صدرت عن الصين وليس الهند؟

د. تمارا برّو
أثارت التصريحات المسيئة للرسول محمد (ص) الصادرة عن المسؤولين في الحزب الحاكم في الهند الذي يتزعمه رئيس الوزراء ناريندرا مودي غضباً عارماً في أوساط المسلمين، واستدعت دول اسلامية وعربية سفراء الهند للإحتجاج على هذه التصريحات، وترافق ذلك مع احتجاجات وتظاهرات في مختلف الأراضي الهندية للتنديد بالاساءة للرسول (ص) ، وأطلقت السلطات الهندية النار على المتظاهرين واعتقلت المئات منهم ، وفي ظل هذه الأجواء المشحونة اكتفت الهند بتعليق عضوية المسؤولين الذين أساؤوا للرسول(ص) ، ورفضت تقديم اعتذار رسمي عن التصريحات معتبرة أن التغريدات والتصريحات المسيئة للنبي محمد(ص) لا تعكس وجهة نظر الحكومة.
يتعرض المسلمون في الهند لموجات من العنف والاعتداءات على يدّ المتطرفين الهندوس الذين يهيمنون على السياسة في البلاد في ظل صمت الحكومة الهندية عن أفعالهم الشنيعة. وعمدت السلطات الهندية إلى إغلاق المساجد والتضييق على المسلمين، ومنعت دخول المحجبات إلى المدارس الثانوية، وأزالة الأسماء الإسلامية للمدن والقرى والشوارع ووضعت أسماء هندوسية بدلاً منها ، وحرم التعديل الذي أُقر على قانون الجنسية ملايين المسلمين من الحصول على الجنسية الهندية .
وبالرغم من الانتهاكات التي يتعرض لها المسلمون في الهند، لم نسمع أصوات الدول الغربية التي تدعي أنها تدافع عن حقوق الإنسان، وتصبها الصدمة في كل مرة تُبث تقارير حول اتهام الصين بارتكاب جرائم ضد مسلمي الإيغور في شينجاينغ ، ووصل بها الأمر إلى حد فرض عقوبات على مسؤولين وكيانات صينية بحجة اضطهادها للمسلمين، وقاطعت عدة دول غربية ديبلوماسياً الأولمبياد الشتوية التي جرت في بكين خلال شهر فبراير / شباط الماضي احتجاجاً على سجل حقوق الإنسان في الصين، لاسيما تعاملها مع الأقليات المسلمة الذي تعتبره واشنطن شكلاً من أشكال الإبادة الجماعية،ولم يعجبها بيان المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان ميشيل باشليت، التي زارت إقليم شينجيانغ مؤخراً ، وجاء البيان مخيباً لآمال واشنطن والغرب، كونه لم يتهم الصين بقمع الأويغور، بل أثنت المفوضة السامية فيه على انجازات الصين في مكافحة الفقر وتغيير القوانين لحماية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، ورأت ألمانيا أن زيارة باشليت لم ترق إلى مستوى التوقعات فيما يتعلق بتقديم توضيح شفاف حول انتهاكات حقوق الإنسان في منطقة شينجيانغ . فماذا لو كانت التصريحات المسيئة للرسول محمد (ص) قد صدرت عن مسؤولين صينيين ؟
من المؤكد أنه لو صدرت التصريحات عن مسؤولين صينيين كانت الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة ستُظهر الصين على أنها عدو للاسلام والمسلمين، وستتطالب الصين بالاعتذار رسمياً وستتقدم بمشروع قرار إلى مجلس الأمن يدين بكين عن التصريحات المسيئة، وستفرض عقوبات على المسؤولين الصينيين ، وربما يصل الأمر إلى حد المقاطعة الاقتصادية. وسيكثف الاعلام الغربي تقاريره حول اتهام الصين بابادة الإيغور ومعاداة الصين للاسلام وبث روح التطرف وخطاب الكراهية ضد المسلمين، وتشويه صورة الصين أمام الدول الإسلامية عامة والعربية خاصة، ولاسيما دول الخليج ، بهدف توتير العلاقات بين الجانبين.
في الواقع لا الولايات المتحدة الأميركية ولا الدول الغربية ، التي لم تتخذ أي إجراءات فعلية ضد إعلامها ومواطنيها الذين يسيئون للاسلام، تخاف على حقوق المسلمين . فقد رفض الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون انتقاد قرار مجلة “شارلي ايبدو” بإعادة نشر الصور المسيئة للرسول محمد (ص)، كما عمدت الكثير من المؤسسات والمباني في فرنسا، إلى إعادة تعليق الرسوم المسيئة على واجهاتها، في خطوة اعتبرها الرئيس الفرنسي “حرية تعبير”، بل جلّ ما يريده الغرب لاسيما الولايات المتحدة الأميركية محاصرة الصين وإعاقة تقدمها خوفاً من أن تصبح القوة العظمى الأولى عالمياً.
ومن ناحية أخرى لا يهتم الغرب بالتقارير القادمة من الهند حول حقوق الانسان ولاسيما اضطهاد المسلمين ، لأنها ترى في الهند شريكاً مهماً في الحرب ضد الصين ، كما تربط الهند بالولايات المتحدة الأميركية علاقات اقتصادية وأمنية متينة. ولكن مما لاشك فيه أن الولايات المتحدة الأميركية ستعمد إلى استخدام ورقة انتهاك الهند لحقوق المسلمين في كل مرة ترفض فيها نيودلهي الاستجابة للأوامر الأميركية ،كما تفعل مع بكين، وتأليب الرأي العام العالمي ولاسيما الإسلامي عليها.
‎2022-‎06-‎14